*إقتصاد الناس* بقلم:د.عبدالله عجلون *تحرير مدينة بارا … حين يلتقي النصر العسكري مع شريان الإقتصاد الوطني

لم يكن تحرير مدينة بارا
(ام لبخ) مجرد حدث عسكري عابر في سياق الحرب الدائرة في السودان بين القوات المسلحة السودانية و مليشيا آل دقلو الإرهابية المتمردة، بل يمثل نقطة تحوّل ذات أبعاد أقتصادية وإستراتيجية عميقة، فهذه المدينة الواقعة في قلب ولاية شمال كردفان ليست مجرد موقع جغرافي، بل عقدة طرق مهمة تربط غرب السودان بوسطه وشماله، وتشكل أحد المفاتيح الحيوية لما يُعرف بطريق الصادرات.
ومن هنا فإن إستعادة السيطرة عليها بواسطة القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها لم يكن إنتصاراً عسكريا فحسب، بل خطوة تعيد فتح أحد الشرايين الحيوية للإقتصاد السوداني الذي أنهكته الحرب وظل مخنقوقاً منذ الطلقة الأولي إذ تعطلت فيه حركة التجارة والإنتاج.
لقد خاضت القوات المسلحة ومعها القوات المساندة لها معركة معقدة في بيئة جغرافية صعبة وظروف ميدانية قاسية، لكنها أثبتت مرة أخرى أن الجيوش لا تحمي الحدود فقط، بل تحمي أيضًا إقتصاد الوطن وطرق رزقه. فالأمن هو الشرط الأول لأي نشاط إقتصادي، وأي طريق تجاري يفقد قيمته إذا غاب عنه الإستقرار.
تكمن أهمية مدينة بارا في أنها تقع على مسار حيوي يربط مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني في كردفان ودارفور بمراكز الإستهلاك و التصدير في وسط وشمال السودان، وهذا الطريق ظل لسنوات يمثل جزءا من منظومة طريق الصادرات الذي تعتمد عليه البلاد في نقل السلع الإستراتيجية مثل الماشية، والصمغ العربي، والحبوب الزيتية.
لكن الحرب الأخيرة عطلت هذا الشريان الإقتصادي الهام، وأدت إلى ارتفاع تكاليف النقل وتراجع حركة التجارة، بل وأجبرت كثيرا من المنتجين والتجار على التوقف أو البحث عن طرق بديلة أكثر خطورة وتكلفة.
ومن هنا تأتي أهمية تحرير بارا؛ فإستعادة الأمن في هذه المنطقة تعني عملياً إعادة الحياة إلى طريق إقتصادي بالغ الأهمية، فعندما تعود الطرق آمنة تعود معها حركة الشاحنات والجرارات والأسواق وسلاسل الإمداد، ويستعيد المنتجون ثقتهم في إمكانية نقل بضائعهم إلى الموانئ والأسواق الإقليمية والعالمية.
إقتصاديا يمكن النظر إلى تحرير المدينة كخطوة أولى نحو إعادة تنشيط الإقتصاد في إقليم كردفان الذي يمثل أحد أهم أحزمة الإنتاج في السودان، فالإقليم غني بالثروة الحيوانية والزراعة المطرية و القوي العاملة، ويملك إمكانات ضخمة للصادر إذا توفرت له البنية التحتية والأمن.
كما أن استقرار طريق الصادرات يعني تقليل تكلفة النقل والتأمين، وهو عامل حاسم في قدرة السلع السودانية على المنافسة في الأسواق الخارجية، فكل كيلومتر آمن على الطريق يعني إنخفاضا في التكلفة وزيادة في العائد الوطني.
غير أن هذا الإنتصار العسكري يجب أن يتبعه إنتصار إقتصادي بخطط عاجلة، فالمعركة الحقيقية بعد التحرير هي إعادة تأهيل الطرق، وتأمين حركة التجارة، وتشجيع المنتجين على العودة إلى النشاط، كما ينبغي أن تعمل الدولة على إستثمار هذا الإستقرار في تنشيط الأسواق المحلية وربطها مجددًا بمسارات التصدير.
وفي هذا السياق، يستحق رجال القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لهم تحية تقدير وإجلال، فقد أثبتوا أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على حماية الأرض، بل يمتد ليشمل حماية مستقبل الإقتصاد ولقمة عيش المواطن.
إن تحرير مدينة بارا ليس مجرد خبر عسكري يتم تناقله في نشرات الأخبار، بل رسالة واضحة بأن السودان قادر على إستعادة توازنه عندما تتكامل الإرادة العسكرية مع الرؤية الأقتصادية الرشيدة.
ويبقى الأمل أن يتحول هذا النصر إلى بداية مرحلة جديدة تُفتح فيها الطرق، وتعود الأسواق، وتتحرك قوافل الإنتاج والصادر من جديد… فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالسلاح الذي يفتح الطريق أمام العمل والتنمية المستدامة والحياة الكريمة.
فتكم بعاااافية… نواصل@
