إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب بين صخب السياسة وصمت الإقتصاد … قراءة في غياب الإعلام الإقتصادي التفسيري !

نلاحظ في المشهد الإعلامي السوداني ان السياسة تستأثر بالمساحة الأكبر من الإهتمام والتحليل و التغطية، بينما يتراجع الإقتصاد – رغم تأثيره َالمباشر على حياة المواطنين – إلى هامش التغطية الإعلامية. فالنقاشات العامة، والبرامج الحوارية، وعناوين الصحف وحتي التلفاز الإذاعة، غالباً ما تدور حول الصراع السياسي وتوازنات السلطة في حين تمر القضايا الإقتصادية المعقدة مروراً سريعاً دون شرح أو تحليل كافٍ.
وهنا تبرز إشكالية حقيقية تتعلق بغياب الإعلام الإقتصادي التفسيري الذي لا يكتفي بنقل الخبر بل يسعى إلى تفسيره وتبسيطه وربطه بالمعاش و حياة الناس اليومية.
في بلدي السودان حيث يعيش الإقتصاد مرحلة شديدة الحساسية بسبب آثار الحرب والإختلالات الهيكلية القديمة، تصبح الحاجة إلى إعلام إقتصادي واعٍ أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فالمواطن يواجه يومياً تحديات تتعلق بإرتفاع الأسعار، وتقلب سعر الصرف، وتراجع الإنتاج، وتزايد معدلات البطالة، ومع ذلك نادراً ما يجد تفسيراً واضحاً لهذه الظواهر في وسائل الإعلام المختلفة.
إن المشكلة لا تكمن في غياب الأخبار الإقتصادية بل في طريقة تقديمها، فكثيراً ما تكتفي وسائل الإعلام بنقل تصريح رسمي أو نشر رقم جديد حول معدل التضخم أو سعر العملة مقابل العملات الأجنبية، دون تقديم قراءة تحليلية توضح الخلفيات والأسباب والتداعيات المحتملة، وبهذا يتحول الخبر الإقتصادي إلى معلومة عابرة لا تساعد المواطن على فهم الواقع الإقتصادي المعقد الذي يعيشه.
واللافت أن الإقتصاد في جوهره لا ينفصل عن السياسة بل يرتبط بها إرتباطاً وثيقاً وهما وجهان لعملة واحدة، فالقرارات السياسية المتعلقة بالموازنة العامة أو السياسات الضريبية أو إدارة الموارد الطبيعية تنعكس مباشرة على الأداء الإقتصادي، كما أن الأزمات الإقتصادية كثيراً ما تتحول إلى أزمات سياسية وإجتماعية، ومع ذلك يبدو أن كثيراً من وسائل الإعلام السودانية تتعامل مع السياسة والإقتصاد كمسارين منفصلين، فتغرق في تحليل الصراع السياسي وتترك الإقتصاد في دائرة الأخبار المختصرة.
هذا الخلل في التوازن الإعلامي يخلق فجوة في الوعي العام، فالمواطن قد يتابع تفاصيل المشهد السياسي بدقة لكنه قد لا يمتلك الأدوات المعرفية لفهم ما يحدث في الإقتصاد، وفي ظل هذه الفجوة تنتشر الشائعات والتفسيرات غير العلمية والمنهجية، ويصبح النقاش الإقتصادي أسيراً للتقديرات والأنطباعات الشخصية بدلاً من التحليل المبني على البيانات الصحيحة، كما أن غياب الإعلام الإقتصادي التفسيري يحرم المجتمع من فرصة بناء ثقافة إقتصادية عامة، فالمجتمعات التي تمتلك وعياً آقتصادياً قادراً على فهم مفاهيم مثل معدل التضخم والبطالة والعجز المالي والسياسة المالية والنقدية، والدين العام والخارجي، تكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات الإقتصادية، وأكثر إستعداداً لدعم الإصلاحات الضرورية عندما تكون مفهومة وواضحة.
وفي السياق السوداني يمكن للإعلام الإقتصادي أن يلعب دوراً محورياً في دعم مرحلة التعافي وإعادة البناء والإعمار، فشرح السياسات الإقتصادية، وتحليل الخيارات المتاحة، ومقارنة التجارب الدولية، كلها أدوات تساعد على خلق نقاش إقتصادي صحي يشارك فيه الخبراء والاكاديميين وصناع القرار و قادة المجتمع على حد سواء،
لكن تحقيق هذا الدور يتطلب إعادة النظر في طريقة تعامل الإعلام مع القضايا الإقتصادية. فالإعلام الإقتصادي ليس مجرد نقل للأرقام بل هو عملية تفسير وتحليل وتبسيط، وهو يحتاج إلى صحفيين يمتلكون معرفة إقتصادية كافية، وإلى مؤسسات إعلامية تدرك أن الإقتصاد ليس موضوعاً ثانوياً، بل قضية مركزية تمس مستقبل المجتمع والدولة.
إن التوازن بين التغطية السياسية والإقتصادية ليس ترفاً إعلامياً، بل ضرورة لبناء وعي عام متكامل، فكما يتابع المواطن تطورات السياسة، من حقه أيضاً أن يفهم ما يجري في إقتصاد بلاده وأن يدرك كيف تؤثر القرارات الإقتصادية في حياته اليومية.
وفي ظل التحديات التي يمر بها السودان اليوم ربما يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن ينهض الوعي الإقتصادي في المجتمع ما دام الإعلام ما يزال أسيراً لصخب السياسة العالي، بينما يظل الإقتصاد – بكل تعقيداته وأهميته – حبيس صمت التغطية الاعلامية السطحية؟
فتكم بعااافية…نواصل@
