شيء للوطن

م.صلاح غريبة… يكتب
Ghariba2013@gmail.com
المستشفى كهدف عسكري: انحدار أخلاقي
تتجاوز الجرائم حدود الترويع لتطال الملاذ الأخير للإنسان؛ المستشفى. إن ما شهدته مدينة الأبيض من استهداف مباشر للمستشفى البريطاني بواسطة طائرة مسيرة ليس مجرد حادثة عسكرية عابرة، بل هو تجسيد حي لسياسة “الأرض المحروقة” التي تستهدف اقتلاع مقومات الحياة من جذورها في إقليم كردفان الصامد.
حين تتحول عيادات الأسنان، وعنابر الجراحة، ووحدات العلاج الطبيعي إلى ركام، وحين تُسفك دماء الكوادر الطبية وهي ترتدي “البالطو الأبيض” داخل غرف العمليات، فنحن لا نتحدث هنا عن خطأ في الإحداثيات، بل عن استهداف ممنهج للبنية التحتية المدنية. إن قصف مرفق صحي يخدم أكثر من مليون إنسان ونازح في مدينة الأبيض هو “جريمة حرب مكتملة الأركان” تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني.
لا تقاس الخسائر هنا بمساحة الجدران المهدمة أو الأجهزة الطبية المحطمة فحسب، بل بالأثر الارتدادي الذي يتركه هذا العدوان، فخروج أقسام تخصصية حيوية عن الخدمة يعني الحكم بالموت البطيء على مئات المرضى الذين لا يملكون بديلاً للعلاج وبالتالي شلل في القطاع الطبي، وإصابة الكوادر الطبية وبث الرعب في نفوس المرضى والمرافقين يهدف إلى ترويع الكوادر والنازحين بهدف تفريغ المدينة من سكانها وكسر إرادة الصمود لدى إنسان السودان، وتعميق الأزمة الإنسانية، ففي ظل نزوح الملايين إلى مدينة الأبيض، يمثل استهداف المشافي وسيلة لابتزاز المدنيين عسكرياً وحرمانهم من حقهم الأساسي في الحياة والصحة.
إن بيانات الإدانة التي تصدر هنا وهناك لم تعد تكفي أمام هول المشهد. إن استمرار استهداف المنشآت الطبية في السودان دون رادع دولي حقيقي هو بمثابة ضوء أخضر للمليشيات المتمردة للاستمرار في انتهاكاتها. المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أمام اختبار أخلاقي حقيقي؛ فالمطلوب ليس فقط “الإدانة بأشد العبارات”، بل ممارسة ضغوط فعلية وتوفير حماية حقيقية للمرافق المدنية.
إن ما يحدث في الأبيض هو محاولة بائسة لتركيع إنسان السودان عبر استهداف “شريان حياته”. لكن التاريخ يخبرنا أن الشعوب التي تُستهدف في مشافيها ومدارسها تزداد إصراراً على البقاء. سيبقى المستشفى، رغم الركام، شاهداً على وحشية المعتدي، وستبقى دماء الكوادر الطبية التي سيلت في الميدان الإنساني وساماً يطارد القتلة أمام محاكم التاريخ والعدالة.


