إقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

بين عدم الفقه وإستهبال السوق…كيف تُنهب جيوب السودانيين باسم التجارة؟.
في واقع إقتصادي مرتبك ومهزوز كالسودان، لم تعد التجارة مجرد نشاط لتبادل السلع والخدمات بين البائع والمشتري، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للفوضى تتداخل فيها قلة او عدم الفقه بأحكام السوق، مع إستهبال بعض الممارسين، وطمع السماسرة الذين وجدوا في الأزمات فرصة للثراء السريع، وبين هذا وذاك، يقف المواطن البسيط وحيداً يدفع فاتورة الإنفلات دون حماية أو ضابط.
أول مظاهر الخلل يكمن في ضعف الفقه التجاري ليس فقط بمعناه الديني، بل أيضاً بمعناه الإقتصادي والقانوني، فالتجارة في جوهرها تقوم على مبادئ واضحة: الشفافية، العدالة، ومنع الغش والإحتكار، لكن ما نشهده اليوم هو غياب شبه كامل لهذه القيم، كثير من المتعاملين في السوق لا يدركون – أو يتجاهلون – أن الربح المشروع له حدود وأن الإستغلال في أوقات الأزمات ليس “شطارة”، بل ظلم صريح والظلم ظلمات.
خذ مثال سوق الوقود هذه الايام الذي أصبح مرآة تعكس هذا التشوه بوضوح، فعند أي شح في الإمدادات بإي سبب ما، ترتفع الأسعار بشكل جنوني في السوق الموازي، ليس بسبب التكلفة الحقيقية، بل بفعل المضاربات والإحتكار، تجد الوقود يُخزن عمداً ثم يُطرح لاحقاً بأسعار مضاعفة الادهي والأمر تجد الباعة يعرضون الوقود علي بعد أمتار من طلمبات الوقود بأسعار تزيد من السعر الحقيقي بنسبة ربما تصل الي 100٪.
هذا السلوك لا يمكن تفسيره بقوانين العرض والطلب وحدها بل هو نتاج جشع منظم تغذيه شبكة من الوسطاء والسماسرة الذين لا يضيفون قيمة حقيقية بل يرفعون التكلفة على المواطن المحتاج.
أما في سوق إيجارات العقارات في هذه الأيام فالصورة لا تقل قتامة في ظل النزوح والحرب والان بعد عودة الناس الي أماكن عملهم، استغل بعض الملاك والسماسرة حاجة الناس للسكن، فارتفعت الإيجارات السكنية بشكل يفوق أي منطق إقتصادي اما المحلات التجارية ففي البدع والخرافة، شقق بسيطة في أطراف المدن تُؤجر بأسعار خيالية دون مراعاة للظروف الإنسانية أو القدرة الشرائية للمواطن، بل إن بعض السماسرة يفرضون عمولات مبالغ فيها، ويخلقون منافسة وهمية لرفع الأسعار، في ممارسة أقرب إلى الابتزاز منها إلى الوساطة الحميدة.
هذه الظواهر ليست مجرد إنحرافات فردية، بل تعكس خللاً بنيوياً في منظومة السوق في السودان. فغياب الرقابة الفعالة، وضعف التشريعات أو عدم تطبيقها احياناً، فتح الباب أمام ممارسات غير أخلاقية، كما أن الثقافة المجتمعية نفسها أصبحت في بعض الأحيان تتسامح مع هذه السلوكيات، بل وتمجدها تحت مسمى “الفهلوة” أو “الشطارة”.
لكن الأخطر من ذلك هو تآكل الضمير التجاري، فالتاجر الذي لا يستحضر البعد الأخلاقي والديني في معاملاته يتحول إلى مجرد باحث عن الربح بأي وسيلة.
وهنا تتجلى خطورة قلة الفقه اوعدمه، لأن دين الإسلام – الذي يشكل مرجعية أساسية في المجتمع السوداني – وضع ضوابط صارمة للتجارة، من تحريم الغش والإحتكار، والجشع، و إلى الدعوة للرحمة والتيسير، يقول النبي ﷺ: “من غش فليس منا”، وهي قاعدة أخلاقية لو طُبقت لاختفى كثير من هذا العبث.
إن ما يحدث اليوم هو نوع من إستغلال الأزمات لتحقيق مكاسب غير مشروعة وهو سلوك له آثار مدمرة ليس فقط على الإقتصاد بل على النسيج الإجتماعي، فعندما يشعر المواطن بأنه مستهدف في قوته وسكنه وحاجاته الأساسية، تتآكل ثقته في السوق وفي المجتمع ككل، مما يفتح الباب لمزيد من الفوضى والانفلات والغل والحسد والغبن.
الحل لا يكمن فقط في تدخل الدولة – رغم أهميته – بل أيضاً في إعادة بناء الوعي التجاري، فنحن نحتاج إلى نشر ثقافة الإقتصاد الأخلاقي، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، وتفعيل القوانين التي تحمي المستهلك، كما يجب على المجتمع نفسه أن يرفض هذه الممارسات جملة وتفصيلاً، وألا يكافئ الجشع بالصمت أو القبول والرضا.
وفي الختام فإن من يظن أن ما يجنيه من أرباح طائلة على حساب معاناة الناس هو مكسب حقيقي، فهو واهم، فالتجارة ليست مجرد أرقام بل مسؤولية وأمانة، ومن يتجاوز حدود العدل، ويستغل ضعف الناس وحاجتهم، فعليه أن يتذكر أن هناك حساباً لا تُجدي فيه الحيل، ولا تنفع فيه الأعذار والشطارة.
إن ظلم العباد بابٌ مفتوح لغضب الله، ومن أكل أموال الناس بالباطل، فإنما يملأ بطنه ناراً… فليحذر التجار والسماسرة، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فتكم بعااافية…نواصل@



