إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب … هل ينهار نظام بريتون وودز بعد ثمانين عاماً؟

ان الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران هي إختبار هيمنة الدولار قبل نحو ثمانية عقود، عندما وُضع الأساس للنظام المالي العالمي الحديث في مؤتمر مؤتمر بريتون وودز، الذي رسّخ هيمنة الدولار على الإقتصاد العالمي وربط العملات به، لتصبح الولايات المتحدة مركز النظام المالي الدولي، ومنذ ذلك الوقت ظل الدولار العملة المرجعية للتجارة العالمية والطاقة والإحتياطيات النقدية. لكن التطورات الجيوسياسية المتسارعة اليوم خصوصاً بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران، تثير تساؤلات جدية حول مستقبل هذا النظام الذي حكم الإقتصاد العالمي لأكثر من ثمانين عاماً.
لقد تأسس نظام بريتون وودز على فكرة الإستقرار النقدي العالمي، حيث جرى ربط العملات بالدولار بينما كان الدولار نفسه مرتبطاً بالذهب، ورغم إنهيار الإرتباط المباشر بالذهب في سبعينيات القرن الماضي، بقي الدولار العملة الأكثر نفوذاً في العالم، مدعوماً بقوة الإقتصاد الأمريكي وعمق الأسواق المالية الأمريكية، وبمرور الوقت أصبح النفط والسلع الإستراتيجية الأخرى تُسعَّر بالدولار، مما عزز ما يُعرف بـ“نظام البترودولار”.
لكن هذا النظام لم يكن ثابتاً تماماً بل ظل عرضة للإهتزاز مع كل أزمة عالمية كبيرة، واليوم تأتي الحرب الجديدة في الشرق الأوسط لتضعه أمام إختبار صعب.
فالتصعيد العسكري من قبل أمريكا و إسرائيل علي إيران منذ أواخر فبراير 2026م أدى إلى أضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خاصة بعد التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
وقد انعكست هذه التطورات سريعاً على الأسواق المالية، حيث شهدت أسعار النفط قفزات حادة وتزايدت مخاوف المستثمرين من اضطراب الإمدادات العالمية، كما إرتفعت معدلات التضخم المتوقعة في بعض الإقتصاديات نتيجة إرتفاع أسعار الطاقة، وهو ما دفع مؤسسات إقتصادية إلى التحذير من تداعيات إقتصادية واسعة للحرب،
وفي مثل هذه الأزمات الجيوسياسية الكبرى، تتعرض العملات العالمية لضغوط متباينة، فالدولار الذي إعتاد أن يكون ملاذاً آمناً للمستثمرين، بدأ يواجه تقلبات مرتبطة بالمخاطر السياسية والإقتصادية المتصاعدة، فقد شهد الدولار في فترات سابقة تراجعاً ملحوظاً مع تطورات الصراع التي تقوده أمريكا وإسرائيل علي إيران وتغير شهية المستثمرين للمخاطرة في الأسواق العالمية.
إلى جانب ذلك تتزايد الدعوات في بعض القوى الإقتصادية الصاعدة مثل الصين وروسيا للحد من الإعتماد على الدولار في التجارة الدولية، عبر إستخدام العملات الوطنية أو إنشاء أنظمة مالية بديلة، ومع كل أزمة جيوسياسية كبرى تزداد هذه الدعوات قوة، خصوصاً عندما تتحول العقوبات الإقتصادية إلى أدوات سياسية في الصراعات الدولية.
ومع أن الحديث عن انهيار فوري لنظام بريتون وودز قد يكون مبالغاً فيه، إلا أن المؤكد أن النظام المالي العالمي يمر بمرحلة تحول عميقة، فالتوازنات الإقتصادية الدولية لم تعد كما كانت في منتصف القرن العشرين، حيث تتنامى قوة إقتصاديات آسيوية بدلكبرى بينما تتزايد التوترات الجيوسياسية التي تهدد أستقرار التجارة العالمية.
وفي هذا السياق تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي الجمهورية الإيرانية أكثر من مجرد صراع إقليمي؛ فهي اختبار حقيقي لقدرة النظام المالي العالمي على الصمود أمام التحولات السياسية والإقتصادية العميقة، فإذا ما إستمرت هذه الإضطرابات فقد نشهد بداية مرحلة جديدة من التعدد النقدي العالمي، حيث تتراجع الهيمنة المطلقة لعملة واحدة لصالح نظام أكثر تعقيداً وتنافسية.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الإقتصادية الكبرى لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء تحت ضغط الأزمات المتراكمة، وربما يكون العالم اليوم في بداية هذا المسار الطويل، حيث تتصدع أسس النظام الذي حكم الإقتصاد العالمي منذ عام 1944م.
والسؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المشهد المضطرب:
هل نشهد بالفعل بداية أفول عصر الدولار، أم أننا فقط أمام أزمة عابرة في نظام عالمي يتآكل ببطء دون أن يجد العالم بديلاً واضحاً له؟
فتكم بعااافية… نواصل@

