كلمات. سحر علي تكتب. . نساء السودان… كحشائش تنبت على لهيب الحرب

منذ اندلاع شرارة الحرب في السودان قبل ثلاث سنوات وجدت النساء أنفسهن في قلب العاصفة ليس كصانعات للقرار بل كأكثر المتضررين اذ تحولت حياة الملايين إلى جحيم متنقل بعد أن فررن من بيوتهن تاركات خلفهن ذكريات العمرحاملات على أكتافهن أطفالهن وهمومهن، إلى المجهول في مدن النزوح البعيدة
في هذه الرحلة القاسية واجهت النساء وحشين؛ الأول هو الحرب بذكرياتها الدامية والثاني هو الوضع الاقتصادي المنهار الذي أفرزته الحرب بعد أن كن عماداً للأسرة تحول الكثير منهن إلى معيلات وحيدات في بيئة لا ترحم مع غياب فرص العمل وغلاء الدواء والغذاء، وجدت نفسها مضطرة لبيع ما تبقى من ذهبها أو حتى كرامتها لتأمين لقمة العيش لأطفالها
في مخيمات النزوح المنتشرة بين نهر عطبرة وأم درمان وكسلا وغيرها مستيقظة مع أذان الفجر لتبدأ معركة يومية لا تنتهي معركة البحث عن الماء الصالح للشرب وسط زحام الآبار ومعركة الحطب لتطبخ به ما تيسر من طعام ومعركة الأمن على بناتها في خيام لا تحمي من الحر ولا تواري العورات وخلف كل إحصائية عن ارتفاع معدلات سوء التغذية توجد أم تمتنع عن الطعام لتوفر لأطفالها ما تبقى من تمر أو عصيدة
لكن الأكثر إيلاماً هو الجرح النفسي العميق إذ تركت الحرب في أعماقهن أزمات نفسية حادة من فقدان الأبناء والأزواج إلى الخوف الدائم على الباقين وصولاً إلى الشعور بالذنب لعدم القدرة على توفير حياة كريمة رغم ان الاكتئاب والقلق المزمن أصبحا رفيقي دربهن في خيام النزوح حيث يخفين دموعهن خلف ابتسامة مصطنعة ليطمئن الصغار
ورغم كل هذه الكآبة يبقى ذلك الخيط الرفيع من الصمود لا ينقطع في زوايا المخيمات حيث بدأت بعض النساء بتشكيل مجموعات صغيرة للتعاون الاقتصادي فهذه تخبز وتلك تخيط وثالثة تبيع ليجمعن قوت يومهن من رحم العدم وفي الليالي القاسيةتجتمع النسوة ليتداولن الأذكار ويتلون القرآن وكأن الإيمان هو آخر معاقل الدفاع أمام زحف اليأس فحرب السودان لم تخلق فقط أرامل ويتيمات بل خلقت أيضاً نموذجاً جديداً من النساء القويات رغماً عنهن اللواتي استبدلن الدموع بدعوات صامتة في جوف الليل
إن ما تمر به النساء في السودان ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة بل هو كارثة وجودية بانها تدفع ثمناً باهظاً لحرب لم تصنعها وتتحمل وحدها عبء البقاء في زمن الموت ولن ينتهي هذا الكابوس إلا عندما يصبح صوت المرأة مسموعاً في مفاوضات السلام وعندما تتحول من مجرد ضحية للحرب إلى شريك أساسي في صناعة السلام وإعادة الإعمار فمن عاشت الموت كل يوم تستحق أن تحيا الكرامة يوماً ما.

