كلمات

سحر علي
عودة الجسد دون عودة الخدمات….ليست عودة
بعد سنوات من النزوح القسري تعود العائلات إلى مدنها وقراها محملة بالأحلام والذكريات، لكنها تفاجأ بمنظر مختلف تماما عما تركته إنها مفارقة قاسية أن يعود النازحون إلى ديارهم ليجدوا أن الحرب انتهت لكن معاناة البقاء لم تنتهي بعد
العودة بدون خدمات أساسية ليست عودة حقيقية بل هي شكل آخر من أشكال النزوح فما معنى أن تعود إلى منزلك وأنت لا تعرف إن كان سيشرق عليك ضوء الكهرباء أم ستغرق في ظلام دامس؟ وما جدوى أن تفتح صنبور الماء وأنت لا تدري إن كان سيخرج منه قطرة أم سيبقى جافا كقلوب الحروب؟
الكهرباء والماء ليستا رفاهية بل هما عمود الحياة الأساسي غيابهما يعني عودة إلى عصور ما قبل الحداثةحيث يتحول الاستحمام إلى مغامرة وحفظ الطعام إلى معركة يومية وتأمين الماء النظيف إلى هم لا يقل وطأة عن هم ترميم الجدران المهدمة
نفهم أن إعادة الإعمار تحتاج إلى وقت لكن استمرار انقطاع الخدمات بعد انتهاء العمليات العسكرية يشير إلى خلل في ترتيب الأولويات فكيف يمكن لشخص أن يستقر ويعيد بناء حياته وهو لا يعرف إن كان سيحصل على احتياجاته الأساسية؟
هنا يبرز سؤال جوهري هل انتصرت الدولة حقا إذا لم تستطع تأمين الماء والكهرباء لمواطنيها العائدين؟ وما قيمة التحرير إذا بقي الناس أسرى لانقطاع التيار وانقطاع المياه؟
السلطات المحلية والحكومة مطالبتان بوضع ملف الخدمات الأساسية على رأس أولوياتهما في مناطق العودة لا يكفي أن نفتح الطرق ونزيل الأنقاض بل يجب أن تتزامن جهود إعادة الخدمات مع عودة النازحين لا أن تسبقها أو تتأخر عنها.
نحن أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تجاوز منطق الحرب إلى منطق الإعمار فالمؤشر الحقيقي للاستقرار ليس كمية البيانات الرسمية عن عدد العائدين، بل هو قياس بسيط كم ساعة كهرباء يملكها النازح العائد؟ وهل يصل الماء إلى منزله قبل أن يصل إلى بيانات المؤتمرات الصحفية؟
إن لم نشعر بعودة الحياة اليومية المستقرة فستبقى العودة مؤقتة وسيبقى النازحون في حالة ترقب مستعدين لحزم أمتعتهم مجددا وهذا ما لا نريده لأهلنا الذين دفعوا ثمنا باهظا من أجل بقائهم في أرضهم.


