نبض المجتمع

طه هارون حامد … يكتب
الهدي النبوي في السلم و الحرب
يعلن مركز محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة عن اختيار “الهدي النبوي في السلم والحرب” عنوانًا لعام 2025، إدراكًا لما يزخر به الهدي المحمدي من نظر وعمل في قضايا الحرب والسلام. إن السيرة النبوية الطاهرة تشكل نموذجًا راسخًا في تأسيس السلام ونشره، كما تقدم حلولًا فاعلة للحيلولة دون نشوب الحروب والنزاعات. وفي حال حدوثها، تقدم أيضًا توجيهات قيمة لتوجيهها واحتوائها بما يعزز السلم العالمي. هذا الموضوع يهدف إلى وضع قواعد وتشريعات تلامس الواقع المعاصر في العلاقات الدولية وتستدعي معالجة متكاملة وفقًا لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
النهج النبوي في السلم والحرب: سياسات سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم بين القرآن والسنة
مقال تحليلي ضمن أعمال مؤتمر مركز محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة – دورة 2025
عالمنا المعاصر، الذي تزداد فيه النزاعات وتتعمق فيه الأزمات الدولية، ويغيب فيه ميزان العدالة وتنتهك فيه حقوق الشعوب، تبرز الحاجة الماسة للعودة إلى الهدي النبوي لفهم كيفية إدارة العلاقات البشرية، خاصة في أوقات الحرب والسلام. فقد شكّل سيدنا محمدرسول الله صلي الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا في بناء السلم وتثبيت دعائمه، وفي إدارة الصراع بأخلاقيات سامية تُرسّخ العدل وتحفظ الكرامة الإنسانية.
الهدي النبوي لم يكن مجرد توجيهات أخلاقية، بل كان سياسة متكاملة، نابعة من الوحي، تُوازن بين الضرورة والرحمة، بين الحزم واللين، بين الحقوق والواجبات. وهذا المقال يتناول السياسات النبوية في الحرب والسلم كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ويعرض نماذج من السيرة النبوية تظهر هذا التوازن العميق في الفكر والتطبيق.
السلم في الهدي النبوي – الأصل في العلاقات الدولية
جاء الإسلام ليؤسس لسلام دائم، يبدأ من النفس وينتهي بعلاقات الدول. وقد كان السلم في نهج النبي محمد(ص) هو الأصل، والحرب استثناءً لا يُلجأ إليه إلا للضرورة.
قال تعالى:
“وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” [الأنفال: 61]
وهو توجيه إلهي واضح بأن السلام خيار أول، حتى مع من يُحتمل أن يخدع، مع اشتراط التوكل على الله والتحوط.
صلح الحديبية: سياسة السلام فوق العاطفة
لعل من أبرز الأمثلة في سياسة النبي محمد(ص) السلمية، صلح الحديبية، حين جاء في العام السادس للهجرة مع أصحابه معتمرًا، فمنعته قريش. فقبل شروطًا ظاهرها إجحاف بالمسلمين – منها رد من أسلم من قريش وعدم كتابة “رسول الله” – رغم احتجاج الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
لكن النبي محمد (ص ) ببعد نظره، رأى أن الصلح وإن بدا ضعفا، فهو في حقيقته نصر مؤجل. وقد صدق قوله حين نزل قوله تعالى:
“إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا” [الفتح: 1].
فمن خلال هذا الصلح، توسعت الدعوة، وأسلم خلال عامين من الناس أكثر ممن أسلموا في ست سنوات. لقد كانت السياسة النبوية السلمية تقوم على بُعد النظر، والقراءة الواقعية للحدث، والحرص على تفادي إراقة الدماء.
العفو كسياسة استراتيجية: فتح مكة نموذجًا
عندما دخل النبي محمد(ص) مكة فاتحًا، بعد سنوات من التهجير والتعذيب من قريش، وقف بين أهلها وقال:
“ما تظنون أني فاعل بكم؟”
فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
هذا الموقف النبوي ليس فقط عفوًا، بل سياسة مدروسة، تهدف إلى إخماد جذوة الانتقام، واحتواء المشاعر، وتثبيت الأمن والاستقرار بعد الصراع. وقد نجح في تحويل أعداء الأمس إلى أنصار، فدخل الناس في دين الله أفواجًا.
الحرب في الهدي النبوي – ضبط الضرورة بالأخلاق
لم يكن القتال في الإسلام هدفًا، بل وسيلة اضطرارية لحفظ الدين والحقوق ورد العدوان. وكانت الحروب النبوية محكومة بأخلاقيات صارمة وتشريعات واضحة، تخالف ما اعتادته الجاهلية.
قال محمد رسول الله (ص) في وصاياه للجيوش:
انطلقوا باسم الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، ولا تغدروا…” [رواه أحمد].
بدر: أول المعارك وأخلاقياتها
في غزوة بدر، خرج المسلمون دون نية القتال، وإنما لاعتراض قافلة قريش، لكن فرض عليهم القتال بعد أن جمع الكفار جيشًا عرمرمًا.
رغم قلة العدد، انتصر المسلمون بفضل القيادة النبوية الحكيمة، والإعداد النفسي والروحي، والعدل في تقسيم الغنائم، بل وحتى الإحسان بالأسرى، إذ فُكّ أسر بعضهم مقابل تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
معاملة الأسرى: الرحمة في أوج الحرب
في غزوة بدر، وقع سبعون أسيرًا من قريش، فأخذ النبي محمد (ص) مشورة الصحابة، فاختار الفداء، ورفض الإعدام الجماعي. بل خصّ بعضهم بحسن المعاملة، كما في قصة أبي العاص بن الربيع، زوج زينب بنت النبي محمد (ص)، الذي أُسر ثم أطلقه النبي محمد (ص) وفاءً للعهد، فأسلم لاحقًا وعاد زوجًا لها.
المبادئ الثابتة في السياسة النبوية للسلم والحرب
العدالة: حجر الأساس في كل علاقة
قال تعالى:
“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” [المائدة: 8]
العدالة في السلم والحرب كانت مبدأ لا يتغير، حتى مع الأعداء، فلم يُعاقب أحد على النية أو الهوية، بل على الفعل.
احترام العهود والمواثيق
قال النبي (ص)
“من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة” [البخاري]
وفي حادثة مشهورة، ردّ النبي محمد (ص) أبا جندل إلى قريش تطبيقًا لبند في صلح الحديبية، رغم صراخه وطلبه النجدة، احترامًا للاتفاق.
أهمية هذا النهج في الواقع الدولي المعاصر
إن العالم اليوم يواجه أزمات في تطبيق القوانين الدولية، ويفتقر إلى مرجعيات أخلاقية تضبط السلوك السياسي والعسكري. والهدي النبوي يقدم نموذجًا:
يُوازن بين الواقعية والمبادئ
يحقق العدل دون انتقام
يحفظ الكرامة الإنسانية حتى في الحرب
يجعل السلام هو الأصل والاستقرار هو الهدف
فالنهج النبوي ليس فقط تاريخًا، بل مشروعًا حضاريًا صالحًا لكل زمان، يُمكن الاستفادة منه في صياغة نظم السلم الدولي، وحل النزاعات، ومنع الانتهاكات التي نشهدها اليوم.
وفي النهاية —
لقد وضع النبي محمد(ص) بوحي من ربه، سياسة شاملة للسلام والحرب، جمعت بين القيم الروحية والسياسات الواقعية، فأرست أسسًا حضارية راقية، سبق بها الأعراف الدولية الحديثة.
وإن دراسة هذا النهج النبوي وتحليله في إطار علمي ومهني، كما يسعى مؤتمر “مركز محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة”، يُعد إسهامًا ضروريًا في بناء خطاب إسلامي عالمي يُقدِّم البدائل، ويُضيء السبيل أمام الباحثين وصناع القرار.
المراجع:
القرآن الكريم
صحيح البخاري، كتاب الجهاد
السيرة النبوية لابن هشام
زاد المعاد لابن القيم
فتح الباري لابن حجر

