وثائق

عارف حمدان …. يكتب
.وثائق السودان ..
بالجامعات البريطانية…
…درم نموزجا…….
عار التاريخ وصراع المصالح..
..موت حقائق وتزييف وقائع…
…………
اكثر من ٦٧١٣ وثيقة سودانية ترقد في جامعة درم البريطانية تتناول حقبا تاريخية لاكثر من ١٥٠ عاما تشمل جزءا من الماضي حتي التركية والانجليز وصولا الي مابعد منتصف القرن العشرين المنصرم…
………. …… ……
………… …….
.السودان اجمل بلاد الله في كونه الشاسع …ولكن
يمر اليوم باقذر حرب..حرب احتلال… شهدها هذا الكون نفسه اذ ليست لها وصف يمكن ان يحدد رسمها..ولا سودت صفحات التاريخ بمثلها ولا اعتقد ان البشر في مقبل ايامهم سيعيشون لحظات كهذه التي عاشها ويعيشها اهل السودان هذه الايام وهي ممارسة لا تصدق لمن قرا التاريخ او جال بعقله في حياة الامم السابقة واللاحقة كذلك…لان الذي امامنا لا يمكن تسطيره بقلم من ذي قلب بصير..والخوف ان يتكرر علي ذات الارض والشعب نفس المصير ان سلم السودان من ابتلاع الامبرالية الجديدة له وهو مخطط بلغ او كاد ان يبلغ مداه… لاننا كصفوة وقادة ونخبة…الخ .رفضنا اي قراءة حقيقية وامينة لتاريخنا لمخاطبة حاضرنا واستشراف مستقبلنا..
وظل الهروب…
او الكسل…
او عدم معرفة قيمة السودان كوطن وروح وهو الاقرب الي الصواب كما اعتقد…
و ان ذلك
ظل هو عنوان حياتنا في رؤيتنا لوطننا وشعبنا..لان عدم التعاطي مع الماضي بوعي يغلق امامك كل ابواب الحاضر مع رسم ظلامي يقتل الامال بمستقبل اكثر اشراقا وجمالا…
…وكثيرة هي الثقوب في ذاكرتنا الجمعية التي احطت من كل تجاربنا السياسية والاقتصادية والتنموية …الخ . وبذلك وضعنا انفسنا في ذيل الامم والشعوب وفي كل المجالات مع ان الله اراد لنا غير ذلك .والدليل علي ذلك هذه الموارد الضخمة التي تشكل كل عوامل دولة الصناعة والانتاج الحديثة ومتجددة التطور…
..ويبرز سؤال محوري خطير…
….. لماذا الهروب من تاريخنا سواءا كان باعادة كتابته او قراءته…
..تاريخنا في السودان قصة ..
طووووووويلة
ومؤلمة وحزينة ….
..اذ مر السودان بايام كالحات طوال السبعين عاما منذ الاستقلال وحتي الان سياسيا واقتصاديا ..والاسوا ثقافيا واجتماعيا..اما فكرا وتخطيطا فذلك هطل لا مكان له في حياتنا البائسة .فالامم والشعوب تقرا تاريخها بكل مافيه من الحزن والالم والشجن والمخاوف والنقد لكل المكونات من شعوب وقبائل ومؤسسات وكيانات وشخوص واثار ومنظمات ومواقف وافكار وتجارب ….الخ
لتعيد البناء والترميم والتجديد والتحديث لكل منتوجها البشري بكل تجاربه بين النجاح والفشل والاضافة والاستمرارية..فالكمال لله وحده..ومن اجل البقاء والاضافة والاثر الخلاق والحيوية المستنيرة ..لان قطار الحضارة لن يتوقف.. والسباحة في هذا الكون تحتاج زادا طويلا من المعرفة والتجارب والعمل والحلم الواقعي القائم علي تجربتك التاريخية واحيائها باستمرار مع تنقيتها وتنقيحها بذاتك واثر الاخر ..
……. ….. ….
ومن هنا تظهر معالم خطل كبير في عقلنا …
لماذا نهرب من تاريخنا ..ولا نبذل الغالي في سبيل معرفته والعيش بجواره ..فنحن اليوم ضائعي الهوية بين العروبة والافريقانية وضياع الجزر التاريخي الذي يشك فيه كل من اصبح سياسيا او ادعي انه مفكر او باحث عن السلطة..ففقدنا بوصلة الحياة فحولنا اجمل ارض الي بقعة دماء ومستنقع فشل وقتل كل حلم…
..منذ الاستقلال وحتي اليوم ظللنا ننادي بجلب وثائقنا التاريخية في الخارج وهي كثيرة ومتناثرة في ارجاء المعمورة وعلي راسها وثائقنا في جامعة .درم.البريطانية
..في جامعة درم البريطانية .
توجد اكثر من
. ٦٧١٣ وثيقة ..
وبريطانيا هي الدولة التي شكلت السودان المعاصر وجودا وشعبا من خلال فترة استعمارية فاقت ال ٥٧ عاما..وبالتالي فكثير من اسرار هذه الفترة يرقد في مؤسساتها وجامعاتها …
..والوثيقة هي المصدر الاول لاي بحث يناقش مرحلة تاريخية معينة لانها شاهد عيان ينقل تفاصيل الحدث بزمانه ومكانه واشخاصه وجزيئاته .فالوثيقة هي تسجيل ثابت للحدث ساعة حدوثه بما يحفظ تفصيلات الموضوع ويحميها من عوامل التغيير او الزيادة والنقصان .والذي يطرا نتيجة لتبدل الافكار والتوجهات وتاويلات المتاخرين وتحريفاتهم اما قصدا او نتيجة للاهواء الشخصية او بدون قصد للجهل او النسيان …الخ
….. ….. …..
وهنا يبرز سؤال كبييير وكبيير جدا…
..لماذا ظلت كل الحكومات السودانية بتشكيلاتها المختلفة و حتي التي يقال انها ديمقراطية …ظلت تتهرب عن احضار هذه الوثائق للباحثين والعلماء والمؤسسات والجامعات وخاصة جيل اليوم وشبابه النابه بادوات عصره الجديدة…مع ان الحكومات البريطانية لا علاقة لها بالامر ..لانها تخص السودانيين
..ماذا في هذه الوثائق بشان الشخصيات السودانية ومكانها والصفوة التي حولها واخفاقاتها وبلاويها وفضائحها واخطائها…الخ
…لماذا تهربت وزارات الثقافة والاعلام والتربية والتعليم و التعليم العالي والجامعات والمؤسسات العلمية وحتي اهل الخير من احضار هذه الوثائق ..
..طبعا دار الوثائق مسكينة اذ ظلت الحكومات تحاربها الي ان جاءت جيوش الاحتلال الاجنبي الحالية فاهلكتها..وان كان نظام الانقاذ قد بني لها برجا كبيرا…وقالوا هذا تطوير وتحديث ..قلت لهم اتمني ان تحضروا لنا وثائق جامعة درم …
..لماذا خافت كل الصفوة السودانية من احضار هذه الوثائق التي توثق لاخطر مرحلة وهي مرحلة بناء الدولة السودانية المعاصرة والمنكوبة وجودا …
لماذا تهرب كل زعماء السودان من هذا الموضوع رقم ان الكثير من العلماء والاكاديميين والباحثين لم يياسوا من المطالبة باحضار هذه الوثائق وكشفها واعادة قراءة سطورها…
..ماذا في هذه الوثائق عن حدود السودان الداخلية والخارجية ..واراضي المشاريع ..وتلاعب الزعامات بالارض بالاضافة الي زعماء الجماعات الدينية…
..ماذا في هذه الوثائق عن علاقات الزعامات السودانية فيما بينها وبين الانجليز والمصريين ..وماذا عن مراسلاتهم وكتاباتهم واحقادهم وبغضهم لبعضهم البعض فيما تكشف فيما بعد في كتابات بعض الانجليز ..والنتيجة ميلاد وطن معطوب رقم موارده الكبير واثره السكاني المتميز…
…ماذا عن رؤية كثير من الشخصيات السياسية لحركات الهامش المسلحة ووجودها ..ولماذا انهار مؤتمر الخريجين الذي كان يعول عليه في انشاء تجربة حزبية سودانية راشدة لكنه اورث تجربة خربة من البداية دفع ثمنها السودان وطنا ومواطنا…
..ماذا عن جمعيات اللواء الابيض وغيرها.. والمؤامرات التي تعرضت لها لان معظم عناصرها صنف من الهامش البعيد ..ماذا عن وثائقها واثارها ..ولماذا حوربت بهذا الشكل من نخبة المدينة الحديثة…
…لماذا لا تحضر هذه الوثائق لتزول الشكوك او تؤكد حول علاقة الطائفية السياسية بالانجليز والمصريين ..وماهو شكل هذه العلاقات ..وانشاء الاحزاب الطائفية وبدايات حرب الجنوب ودارفور وحركات شرق السودان…
..ماذا في هذه الوثائق عن علاقات الاحزاب السودانية بالاجنبي ..ومع بعضها وتامرها ..وتخريب التجربة السياسية باستمرار…
ماذا في هذه الوثائق عن علاقات المدنيين بكل تشكيلاتهم مع العسكر ومع المصريين….
ماذا في هذه الوثائق عن سيطرة مصر الكاملة علي السودانيين وبارادتهم…
ماذا في هذه الوثائق عن مياه النيل و المشاريع والافكار التي تركها المستعمر لخلفائه ..
…لماذا لا تحضر هذه الوثائق لشعب السودان ليقوم بقراءة كل الحقب السابقة ليتدارك الاخطاء ويصحح التاريخ وحقوق الناس ويبني العدالة الحقة لانها الطريق الي دولة الرفاه….
..هل في هذه الوثائق مايؤكد حقوقنا في كثير من الاثار العالمية والمنجزات المادية ..مع فضح كل سوداني شارك في هكذا مواقف….
…ماذا في الوثائق عن الاخطاء السياسية التي جعلت كاتبا محبا للسودان ..غراهام توماس ان يكتب كتابه المحير
..السودان موت حلم…
او يقول مؤرخ وكاتب مثل برفسور هولد..هؤلاء اناس لا امل فيهم ولا رجاء ..وكان هذا بعد تسليم المدنيين الحكم لابراهيم عبود بكامل ارادتهم..حيث هم من بني واسس كل تجارب الحكم شبه العسكري في السودان المعاصر…
..ماذا في الوثائق عن علاقة المواطن السوداني بالدولة ورؤيته لها ..وكيف كانت الخدمات تقدم ..ماذا عن القوانين والتشريعات ونظم الحكم المحلي والقومي….الخ
ماذا في هذه الوثاق عن بلاوي الادارات الاهلية واضافاتها ..وماذا عن الزعامات الدينية وعلاقاتها بالحكام وخاصة الانجليز…
..ماذا في هذه الوثائق عن المخابرات وعن القبلية والجهوية وحروباتها التي اهلكت ملايين الناس …
..ماذا عن حركات المراة والشباب والفن والفنون واصحاب المهن…
…ماذا في هذه الوثائق عن علاقات الناس العاديين بكل المهن مع الانجليز المستعمرين..ورحم الله استاذنا الدكتور حسن عابدين والذي له كتيب يؤرخ لهذه العلاقة..
……. …… ….
…والكثير المثير ….
………. ……
وما كتبته اعلاه لايعني ان هذه الوثائق السودانية في جامعة درم البريطانية هي مايوجد في بريطانيا فقط..لا هناك كثير من الوثائق في جامعات بريطانيا وفرنسا والمانيا ومصر وبيروت وتركيا وحتي في العراق وسوريا واليونان والان الجامعات الامريكية وبكثافة …الخ..
.. اكثر من عشرة الاف من الوثائق السودانية ضائعة ..وكان الامر لا يهمنا ..وهذا يؤكد شيئا خطيرا….ضعف الوطن في قلوبنا وعقولنا..لذلك كانت الحرب علينا هذه الايام هي الاسواء في تاريخ البشر…
…….. ……. ….
.ولا يعني هذا ان هذه الوثائق هي العصا السحرية التي تحل مشاكلنا..لا
لكنها تشكل جزءا يسيرا من تشكيل خارطة طريق للخروج من هذا النفق المظلم الذي نحن لانها علي الاقل تكشف لنا جزءا من تفكيرنا وماضينا واخطائنا المتكررة وتفتح ربما املا لجيل قادم يتعمق في دراسة الشخصية السودانية لايجاد الجملة السحرية التي يغدو بها الزمن جميلا…والبلاد مزدهرة….
………. ……. …..
.ولقد ظللت في الاذاعة والتلفزيون القوميين اقدم فترات مفتوحة في كل عام ضمن برمجة الاستقلال للحديث حول هذه الوثائق واحضارها وقراءتها والاستفادة منها…ولكن
ذات مرة قال لي استاذي العظيم البروفسور محمد ابراهيم ابوسليم ..
..ان الكثير من المتعلمين والسياسيين والزعماء يخشون جدا من الغوص في هذه الوثائق.فلا تتعب نفسك في هذا الامر..ولقد كتبنا وطالبنا باحضارها من قبل فلم نجد الا التجاهل والنسيان …
……… ….. ……
ان دراسة الوثائق وتحليها ..ومعلوم ان الوثيقة تصبح متاحة للجميع بعد مرور فترة تقدر مابين ٣٠ الي ٥٠ عاما..
ان دراسة الوثائق من المعالم المهمة جدا في تصحيح التجارب والاخطاء التي ارتكبت والمزالق ودور الشخصيات والافكار .والاحاطة بكل السلبيات ودراسة شاملة للمؤسسات والكيانات والحروب وفترات السلام……الخ
وجزي الله خيرا الدكتور حسن الترابي .فقد تحدث بشجاعة باهرة عن اخطائهم وكل سلبياتهم ..تاركا الحكم للقادمين..وربما هو الوحيد الذي تحدث في حياته عن كل تلك الفترة وكلامه اصبح وثيقة لقراءتها والاستفادة منها رقم هجوم اتباعه عليه الا انهم سيدركون في المستقبل ان الرجل قد خدمهم كثيرا بهذه الصراحة هم والمعارضون لهم واهل التوثيق والتاريخ…
…وهنا اذكر بكل العرفان استاذي البروفسور ..سلمان محمد احمد سلمان علي كتابيه ..دور الاحزاب السياسية في انفصال جنوب السودان ..والكتاب الاهم ..نهر النيل ..لان الوثائق فيه ستصدمك خاصة فيما يتعلق باتفاقية مياه النيل…
اذكر هنا استاذنا البروفسور الراحل علي صالح كرار والدكتور اخلاصة مكاوي علي جهدهم وكمال عبداللطيف الذي كان وزير دولة علي انجازهم ببناء دار الوثائق الحالية ..حفظها الله من هؤلاء…
……. …….
..هذه مجرد محاولة متواضعة من طالب صغير محدود التجربة والقراءة لالقاء حجر في بركة الوثائق السودانية الساكنة علها تجد فينا من يعين اهل العلم والمستقبل لانجاز ذلك…
قال لي احدهم..لو كان جابوها كان هسع بتاعين الدعم ديل حرقوها …الله سلمها
……….. ……. ..
كثير هو التعب القادم لنبني وطنا يسعنا جميعا..فلو اننا تعاملنا مع تاريخنا بوثائقه بقراءة عميقة لما وصلنا مرحلة ذبحنا اليوم ..
….الله المعين ….
…… …….. …..
….. ……….. ……
..انا كتبت كثيرا حول هذا الموضوع…وقدمت فيه عشرات الحلقات التلفزيونية والاذاعية
..وقد قال لي استاذي العظيم بروفسور ..محمد اباهيم ابوسليم ..احد ابرز مؤرخي السودان وافريقيا….
( انت تعبان ساكت هذا الموضوع اذا حدث فانه سيقلب الطاولة ويحدث صدمة للكل حول كثير من المواقف والشخصيات والقرارات …الخ وربما تتغير حقائق كثيرة حول تاريخنا ورؤانا…الموضوع دا كبير وخطير ياولدي ..الا ان تقوم به مؤسسة شجاعة لا فرد واحد…
و لكن الله يوفقك )
هذا مقال نشر من قبل
…تحياتي
…….عارف حمدان…..
ربك…٢٥ اغسطس ٢٠٢٥


