شئ للوطن

م.صلاح غريبة … يكتب
السودان: صراع البقاء في مواجهة الجفاف والتصحر
يُعد اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، الموافق 17 يونيو، مناسبة عالمية لزيادة الوعي وتسليط الضوء على الحلول لهذه التحديات البيئية المتفاقمة. في السودان، يتجاوز هذا اليوم مجرد الاحتفال ليصبح صرخة استغاثة تعكس واقعًا مريرًا يواجهه نصف سكان البلاد، حيث تتضافر عوامل الجفاف، والتصحر، ونقص الخدمات، والصراع الدائر، لتهدد القدرة على تلبية أبسط احتياجات الحياة.
تُصنف دراسات عديدة السودان كواحد من أكثر البلدان تضررًا من التصحر في إفريقيا، حيث كان أكثر من نصف سكانه يعيشون في مناطق متأثرة به في عام 2015. التصحر، كما تُعرفه اليونسكو، هو “تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة؛ وهو ناتج في المقام الأول عن الأنشطة البشرية والتغيرات المناخية، ويؤثر على أفقر سكان العالم”. في السودان، يؤثر الجفاف المتكرر والتصحر الناتج عنه بشكل كبير على الإنتاجية الزراعية، خاصة فيما يتعلق بتوفر المياه للزراعة.
لا يقتصر تأثير الجفاف والتصحر على الجانب الزراعي فقط، بل يمتد ليشمل جوانب الحياة كافة:
تغير المناخ والصراع: يُنظر إلى تغير المناخ بشكل متزايد كمساهم رئيسي في الصراع الدائر في السودان، حيث يفاقم التحديات البيئية المستمرة منذ عقود، ويغذي عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. يعاني سكان وادي حلفا، على سبيل المثال، من الآثار السلبية للفيضانات والحرائق والجفاف والتصحر التي تفاقمت بسبب التغيرات المناخية.
الزراعة وسبل العيش: تعتمد المنطقة بشكل كبير على نهر النيل، ولكن تزايد الجفاف واحتمال انخفاض منسوب النهر يهددان الأمن الغذائي. دفعت موجات الجفاف منذ السبعينيات السكان إلى تغيير سبل عيشهم، من تربية الإبل إلى تربية الحيوانات الصغيرة والعمل في مجالات أخرى.
الكوارث الطبيعية: تتكرر الفيضانات في مناطق حوض النيل والمناطق المنخفضة، مما يؤدي إلى فقدان المحاصيل والماشية وانتشار الآفات والأمراض. كما تُعد حرائق أشجار النخيل، وهي مصدر دخل أساسي للعديد من القرى، مشكلة متكررة بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرياح.
الأمن الصحي: تؤدي الفيضانات إلى تفشي أمراض مثل الكوليرا والتهاب الملتحمة، مما يؤثر على الصحة العامة ويعطل الحياة اليومية بإغلاق المدارس والأسواق.
تُعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD)، التي تأسست عام 1994، إطارًا دوليًا لحماية واستعادة الأراضي. تُشير التوصيات العالمية إلى الحاجة لاستثمار مليارات الدولارات لوقف وعكس تدهور الأراضي، مع التأكيد على أن استعادة الأراضي المتدهورة يمكن أن تُعزز الأمن الغذائي وتُحسن دخل المزارعين.
في السودان، تُنفذ مبادرات مثل “الجدار الأخضر العظيم” في ست ولايات، بما في ذلك الولاية الشمالية، بهدف استعادة وتحسين حالة الأراضي. على الرغم من بعض الإنجازات المبلغ عنها، مثل إنتاج ملايين الشتلات واستصلاح آلاف الهكتارات من الأراضي، إلا أن التقارير حول تأثير هذه المبادرات نادرة ويصعب الحصول عليها.
تُشير التحديات في السودان إلى أن الجهود، سواء كانت دولية أو محلية، غالبًا ما تواجه عقبات جدية. فالسياسات الوطنية والمحلية، والعوامل البيئية، والحرب الدائرة، ونقص الخدمات، وضعف سلطة المواطنين، كلها عوامل تُعيق التغيير الجذري. كان التنسيق بين المنظمات الدولية والمبادرات المحلية والجهات الحكومية ضئيلًا في السابق.
تُوصي اللجان الإقليمية لتغير المناخ بتقنيات متنوعة لمكافحة التصحر والجفاف، وتحسين الإنتاجية الزراعية، بما في ذلك صيانة قنوات الري، وتحسين الآلات الزراعية، وتطوير أصناف المحاصيل المقاومة للجفاف.
على المستوى الشعبي، يضغط المدافعون عن حقوق الأراضي والزراعة البيئية، مؤكدين على ضرورة الدفاع عن المعرفة المحلية في مواجهة مشاريع المساعدات الأجنبية التي قد تُؤدي إلى سيطرة الشركات. تُشكل الحركات الشعبية في جميع أنحاء إفريقيا، ومنها السودان، خط الدفاع الأول ليس فقط عن نظام الغذاء، ولكن أيضًا في استعادة الإمكانات البشرية لتصور عالم أفضل.
إن اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف في السودان ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل هو دعوة ملحة للعمل، والتفكير في كيفية تمكين المجتمعات المحلية، وتوفير الخدمات الأساسية، ومعالجة جذور الصراع، لضمان مستقبل أكثر أمانًا واستدامة لشعب يواجه تحديات بيئية وإنسانية هائلة. فهل ستُلبى هذه المطالب، وهل ستُترجم الجهود إلى واقع أفضل على الأرض؟
Ghariba2013@gmail.com

