أعمدة الرأي

إقتصاد الناس :د.عبدالله عجلون يكتب حين يعود الموظف إلى الخرطوم … هل يبدأ الإستقرار المؤسسي من عتبة المنزل؟*

كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تستعيد عافيتها الكاملة إذا عاد موظفوها إلى مكاتبهم بينما منازلهم ما تزال منهارة، ومنهوبة (مشفشفة) أو بعيدة أو مهددة بالإنهيار أو التكلفة باهظة لإعادة إعمارها؟ وهل يكفي قرار العودة إلى الخرطوم لإعادة الإنضباط الإداري، أم أن الإستقرار الحقيقي يبدأ من باب المنزل او الشقة قبل باب المكتب؟ ثم أليس من حق من يُطلب منه إعادة بناء الخدمة العامة أن يجد سقفا آمناً يحمي أسرته ويصون كرامته؟ تلك الأسئلة لا تبدو عاطفية بقدر ما هي إقتصادية إجتماعية بحتة، لأن الإستقرار المؤسسي قد يبدأ من حيث لا ننتبه … من عتبة المنزل.
ان عودة مؤسسات الدولة تدريجياً إلى الخرطوم لا يبدو المشهد إداريا فحسب بل إجتماعياً وإقتصادياً بإمتياز، فالموظف الذي يُطلب منه إستئناف عمله في العاصمة، يقف اليوم أمام سؤال موضوعي: أين يسكن؟ الإيجارات قد تضاعفت، والأحياء تضررت، والبنية التحتية ما تزال تتعافى ببطء، من هنا يصبح الإسكان لموظفي القطاع الحكومي ليس رفاهية ولا منحة إجتماعية بل مطلباً إقتصادياً ملحاً لإستعادة الإستقرار المؤسسي.
الإستقرار الإداري لا يتحقق بالقرارات الحكومية الفوقية وحدها، بل بتهيئة البيئة السكنية و المعيشية للعاملين، إن الموظف الذي يعود إلى مكتبه بينما أسرته في ولاية أخرى او خارج البلاد، أو يعيش تحت ضغط إيجار يفوق نصف راتبه الشهري، لن يكون قادراً على الإنتاج بالكفاءة المطلوبة، بل إن الضغوط المعيشية قد تدفع إلى البحث عن بدائل خارج الخدمة العامة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلي مؤهلاته وخبرته لإعادة البناء الإعمار.
*اقتصاديا* يمثل السكن عنصراً حاسماً في معادلة الدخل الحقيقي، فبدلاً من الإستمرار في زيادات نقدية تلتهمها موجات معدلات التضخم المتلاطمة، يمكن توجيه الموارد نحو مشروعات إسكان مخططة للموظفين عبر صيغ تمويل ميسرة وطويلة الأجل، بذلك تتحول الكلفة الشهرية غير المنضبطة للإيجار إلى قسط مستقر ودائم بضمان المؤسسة، ويشعر الموظف بإمتلاك أصلٍ يحفظ كرامته ويؤمّن مستقبله.
كما أن برنامجاً إسكانياً واسع النطاق سيحرك قطاعات إقتصادية عديدة مثل التشييد، مواد البناء، النقل، والخدمات، أي أن الدولة لا تعالج مشكلة فئة بعينها بل تضخ دورة إقتصادية جديدة في مدينة أنهكتها الحرب. ويمكن تصميم هذه المشروعات في أطراف الخرطوم لتخفيف الضغط عن المناطق المتضررة، والمساهمة في إعادة التخطيط العمراني بصورة أكثر عدالة وتنظيماً.
غير أن هذا المطلب لا يخلو من تحديات، فالموازنة العامة تعاني أصلاً من ضيق الموارد، وأي مشروع إسكان غير مدروس قد يتحول إلى عبء مالي أو باب جديد للفساد، لذلك تبرز ضرورة الشراكة مع القطاع الخاص والمصارف الحكومية (البنك العقاري)، ووضع معايير شفافة للإستحقاق، وتحديد أولويات واضحة تبدأ بالعاملين في القطاعات الحيوية: الصحة، التعليم العام والعالي، والمرافق الخدمية.
إن تجاهل هذا الملف قد يفرغ قرار العودة من مضمونه، فالمؤسسة التي تعود بلا موظفين مستقرين، أو بموظفين مثقلين بهموم الديون والإيجارات وتوفير المواد التموينية لأسرهم، لن تستعيد عافيتها سريعاً.
والإستقرار المؤسسي ليس مجرد فتح أبواب المكاتب بل إعادة بناء الثقة بين الدولة وموظفيها عبر سياسات تحترم إحتياجاتهم الأساسية.
في الختام يبقى الإسكان لموظفي القطاع الحكومي بعد العودة إلى الخرطوم إختباراً حقيقياً لجدية الدولة في إعادة الإعمار المؤسسي، فإما أن يكون السكن بوابة لإستقرار إداري وإقتصادي يعيد الروح للعاصمةالمثلثة أو يتحول إلى أزمة صامتة تدفع الكفاءات إلى الهجرة أو الإنكفاء او تقديم الإستقالة، والمؤلم المؤسف أن تعود المباني إلى الخدمة بينما يظل من يفترض أن يعمرها يوميا ذهاباً واياباً بلا بيتٍ يأويه ولا أفقٍ يطمئنه.
فتكم بعااافية… نواصل@
الجمعة:العاشر من شهر رمضان 1447هجرية الموافق:27/فبراير/2026 م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى