:د.عبدالله عجلون يكتب قطاع التعدين بين فوضى التهريب وضياع العائد … كيف نحول الثروة المهدرة إلى رافعة للإقتصاد الوطني

في بلدٍ ينام على كنوزٍ معدنية هائلة وضخمة ويستيقظ على أزمات نقدٍ أجنبي وإختناقات مالية يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لا تنعكس ثروات التعدين على إستقرار الإقتصاد؟ الإجابة تختصرها كلمتان: التهريب والإقتصاد غير الرسمي، وبين ضعف الضبط المؤسسي وتشابك المصالح، تتآكل عوائد البلاد من الذهب والمعادن الأخرى، فتتحول الثروة إلى نزيفٍ صامت خارج القنوات الرسمية.
يُعد الذهب العمود الفقري لقطاع التعدين في السودان وتشرف عليه مؤسسات رسمية مثل وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية، بينما يتولى بنك السودان المركزي جانب الشراء والتصدير الرسمي، غير أن الواقع يكشف عن فجوة كبيرة بين الإنتاج الفعلي والمصدر عبر القنوات الرسمية، نتيجة إنتشار التعدين الأهلي، وغياب الحوافز المجزية للبيع للدولة، وتعدد الرسوم والجبايات فضلاً عن هشاشة الرقابة في المنافذ الحدودية.
الإقتصاد غير الرسمي في قطاع التعدين ليس مجرد نشاط خارج المظلة القانونية، بل هو منظومة كاملة موازية، تبدأ من التمويل غير المنظم، مروراً بشراء الذهب نقداً خارج النظام المصرفي، وانتهاءً بتهريبه عبر شبكات منظمة، هذه المنظومة تُضعف السياسة النقدية، وتحرم الخزينة العامة من موارد ضخمة، وتغذي المضاربات في سوق العملات.
التحدي الحقيقي لا يكمن في التشديد الأمني وحده بل في معالجة جذور المشكلة، فحين يكون السعر المحلي أقل من السعر العالمي بسبب سياسات سعر الصرف أو الرسوم، يصبح التهريب خياراً اقتصادياً مغرياً. وحين يفتقر المعدِّن الأهلي للخدمات الأساسية والتمويل والتأمين، سيظل بعيداً عن الإطار الرسمي.
الحل يبدأ بإعادة تصميم السياسات لا بمطاردة النتائج.
*أولاً:* توحيد نافذة الشراء وتحرير سعر شراء الذهب ليعكس السعر العالمي بعد خصم تكلفة معقولة، بما يجعل البيع عبر القنوات الرسمية أكثر جاذبية من التهريب. *ثانيًا:* إدماج التعدين الأهلي في الإقتصاد الرسمي عبر تراخيص مبسطة، وخدمات إرشاد فني، ومراكز تجميع معتمدة، مع تقليل الرسوم المتعددة التي تثقل كاهل المنتجين.
كما أن التحول الرقمي يمكن أن يلعب دوراً محورياً، من خلال إنشاء
منصة إلكترونية لتتبع الإنتاج من المنجم إلى التصدير، بما يعزز الشفافية ويحد من التسرب.
كذلك فإن إشراك المجتمعات المحلية في عائدات التعدين بنسبة واضحة يعزز الرقابة المجتمعية ويقلل من التواطؤ مع شبكات التهريب.
وكذلك لا يمكن إغفال أهمية إصلاح البيئة المصرفية فكلما توسع إستخدام القنوات المصرفية وقل الإعتماد على النقد ضاقت مساحة الاقتصاد الموازي. ويتطلب ذلك إستعادة الثقة في الجهاز المصرفي وتوفير خدمات مرنة وسريعة للمصدرين والمنتجين.
في الختام يمكن أن نخلص التوصيات الآتية:
– تحرير وتسعير عادل لشراء الذهب بما يواكب السعر العالمي ويغلق فجوة التهريب.
– تبسيط إجراءات الترخيص ودمج التعدين الأهلي في الاقتصاد الرسمي.
– إنشاء نظام رقمي متكامل لتتبع الإنتاج والتصدير.
– تقليل الرسوم والجبايات المتعددة وتوحيدها في رسم واحد شفاف.
– تقوية الرقابة على المنافذ الحدودية مع معالجة الأسباب الاقتصادية للتهريب.
– تخصيص نسبة من العائدات لتنمية المجتمعات المحلية في مناطق التعدين.
إن معركة ضبط قطاع التعدين ليست معركة أمنية فحسب بل هي معركة سياسات وثقة وعدالة إقتصادية، فإما أن نحسن إدارة ثروتنا فتصبح رافعة للتعافي، أو نتركها تتسرب في صمتٍ، بينما يئن الإقتصاد تحت وطأة العجز.
فتكم بعااافية…نواصل@
6/3/2026


