أعمدة الرأي

:د.عبدالله عجلون يكتب الجهاز الإستثماري للضمان الإجتماعي بعد حرب 15 أبريل … حين يصبح الاستثمار صمام أمان للإقتصاد والمجتمع.

.

لم تكن آثار الحرب التي اندلعت في السودان في حرب السودان 2023 محصورة في الدمار المادي أو تعطل المؤسسات فحسب بل امتدت لتطال بنية الإقتصاد الوطني ومصادر الإستقرار الإجتماعي.
فقد شهدت البلاد خلال هذه الفترة تحديات كبيرة تمثلت في تراجع النشاط الإقتصادي، وتعطل سلاسل الإنتاج، وتضرر قطاعات واسعة من سوق العمل، وفي مثل هذه الظروف، تبرز أهمية المؤسسات الإقتصادية والإجتماعية القادرة على لعب دور في حماية المجتمع ودعم التعافي الإقتصادي، وفي مقدمتها مؤسسة الضمان الإجتماعي وجهازها الإستثماري.
فالضمان الإجتماعي لا يقتصر دوره على صرف المعاشات أو تقديم المزايا التأمينية للمؤمن عليهم بل يمثل أحد أهم أدوات الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي في أي دولة.
فهذه المؤسسة تقوم على تجميع مدخرات العاملين عبر الأشتراكات الدورية، لتشكل في مجموعها كتلة مالية كبيرة يمكن – إذا أُحسن توظيفها – أن تتحول إلى قوة إقتصادية فاعلة تدعم التنمية وتساهم في إستقرار المجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية الجهاز الإستثماري للضمان الإجتماعي الذي يمثل الذراع الإقتصادية للمؤسسة. فوظيفته الأساسية لا تقتصر على إدارة الأموال، بل تتعداها إلى إستثمار هذه الموارد بطريقة تحقق عائدًا مستداماً يحافظ على حقوق المؤمن عليهم ويضمن إستمرارية النظام التأميني للأجيال القادمة.
وفي مرحلة ما بعد الحرب يكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة، فإقتصاد ما بعد الأزمات يحتاج إلى مصادر تمويل مستقرة وإلى إستثمارات طويلة الأجل قادرة على تحريك عجلة الإنتاج. وهنا يمكن للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي أن يلعب دوراً مهماً عبر توجيه إستثماراته نحو القطاعات الإنتاجية الحيوية مثل الزراعة والصناعة و التعدين والخدمات الأساسية، وهي قطاعات قادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الأمن الإقتصادي للمجتمع.
كما أن طبيعة أموال الضمان الإجتماعي – باعتبارها أموالاً طويلة الأجل – تمنحها ميزة كبيرة في تمويل المشروعات التنموية الكبرى التي تحتاج إلى إستقرار في التمويل ورؤية إستراتيجية بعيدة المدى، فحين تُدار هذه الأموال وفق أسس إقتصادية سليمة، فإنها لا تحقق فقط عائداً مالياً للمؤسسة، بل تسهم أيضًا في دعم الإقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على التعافي.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور القيادي لمجلس إدارة الجهاز الإستثماري للضمان الإجتماعي في توجيه السياسات الإستثمارية للمؤسسة. وقد حظي الأداء الإداري في الفترة الأخيرة بإشادة عدد من المتابعين للشأن الإقتصادي، خاصة الجهود التي يقودها رئيس مجلس الإدارة الأستاذ/ *سيف الدولة سعيد كوكو،* الذي يمثل نموذجاً للقيادة الشابة التي تسعى إلى تطوير العمل المؤسسي وتعزيز كفاءة الأداء داخل المؤسسة.
فقيادة المؤسسات الإقتصادية في أوقات الأزمات تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والقدرة على الموازنة بين حماية الأصول وإستشراف فرص الإستثمار المستقبلية قليلة المخاطر.
ويبدو أن هذا التوجه قد انعكس في الإهتمام بتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية، والعمل على تطوير الرؤية الإستثمارية بما يتماشى مع إحتياجات الإقتصاد الوطني في هذه المرحلة الحساسة.
كما أن وجود قيادة شابة تمتلك روح المبادرة يمثل فرصة مهمة لإدخال أفكار جديدة وأساليب حديثة في إدارة الموارد والإستثمارات، خاصة في المؤسسات التي تمتلك أموالاً ومدخرات كبيرة مثل مؤسسة الضمان الإجتماعي.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من الجهاز الإستثماري للضمان الإجتماعي أن يواصل تطوير أدائه وأن يعزز حضوره في القطاعات الإقتصادية المنتجة، حتى يصبح بالفعل أحد الأدوات المهمة في دعم التعافي الإقتصادي وبناء الإستقرار الإجتماعي. فنجاح هذه التجربة لا يعني فقط تحقيق عوائد مالية للمؤسسة بل يعني أيضًا حماية حقوق المؤمن عليهم وتعزيز الثقة في النظام التأميني ككل.
وفي الختام يبقى الضمان الإجتماعي أحد أهم ركائز الأمان الإقتصادي في المجتمع خاصة في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى، وعندما يقترن هذا الدور الإجتماعي بإدارة إستثمارية رشيدة ورؤية قيادية واعية، فإن المؤسسة يمكن أن تتحول إلى قوة إقتصادية حقيقية تساهم في دعم الإستقرار وبناء المستقبل.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بهدوء وأمل:
هل يستطيع الجهاز الإستثماري للضمان الإجتماعي أن يتحول في مرحلة ما بعد الحرب إلى أحد محركات التعافي الإقتصادي في السودان، محافظاً في الوقت نفسه على أموال المؤمن عليهم وثقة المجتمع؟

فتكم بعااافية… نواصل@
11مارس2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى