الأخبارأخبار محلية

شيء للوطن


م.صلاح غريبة ‘ مصر
Ghariba2013@gmail.com
مارس: ربيع العلوم ونهضة السودان المنتظرة

يطل علينا شهر مارس دولياً كمنصة للاحتفاء بالعلوم والابتكار، وهو ليس مجرد توقيت رزنامة، بل هو استدعاء لقيمة العقل في مواجهة التحديات. وبالنسبة للسودان، الذي يمر بواحد من أصعب المنعطفات التاريخية في العصر الحديث، يكتسب “شهر العلوم” أبعاداً تتجاوز الاحتفالية لتصبح ضرورة وجودية، خاصة ونحن نستشرف مرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب ما هو أكثر من مجرد “بناء الجدران”.
إن الاعتبار الأول لشهر مارس في السياق السوداني هو توطين المعرفة في التخطيط. لقد علمتنا التجارب الدولية أن الدول التي نهضت من رماد الحروب (مثل اليابان وألمانيا أو حتى رواندا) لم تعتمد على المساعدات فحسب، بل على “الهندسة الاجتماعية والتقنية” الشاملة.
في السودان، يجب أن تتحول ذكرى شهر العلوم إلى حراك وطني يهدف إلى رقمنة الحلول واستبدال البيروقراطية التقليدية بأنظمة ذكية تضمن الشفافية في توزيع الموارد خلال فترة الإعمار، والانتقال الى الزراعة العلمية فالسودان سلة غذاء “مفترضة”، لكن الانتقال للواقع يتطلب تكنولوجيا البذور، ونظم الري الذكية، وتحليل البيانات المناخية لتقليل الفواقد، وضرورات الطاقة البديلة باستغلال استغلال شمس السودان ليس كترف بيئي، بل كحل استراتيجي لإنتاج طاقة رخيصة تدفع عجلة المصانع المتوقفة.
المشهد السوداني حالياً يعاني من تضرر هائل في البنية التحتية التعليمية والبحثية. وهنا يأتي دور “شهر العلوم” لتذكيرنا بأن إعادة إعمار جامعة الخرطوم أو المعامل الوطنية لا يقل أهمية عن بناء الجسور، و”إعادة الإعمار ليست عودة لما كان عليه الحال قبل الحرب، بل هي فرصة للقفز نحو المستقبل باستخدام التكنولوجيا السيادية.”
إن الانعكاس الحقيقي لهذا الشهر يجب أن يترجم في خلق “دبلوماسية علمية”؛ حيث ينخرط العلماء السودانيون في المهجر (وهم كثر ونوابغ) في منصات رقمية لنقل الخبرة وتصميم نماذج إعادة بناء المدن السودانية لتكون “مدناً مستدامة” (Sustainable Cities) تراعى الخصوصية البيئية والاجتماعية.
لا يمكننا الحديث عن العلوم دون معالجة فجوة “البيانات”. السودان يحتاج في مرحلة ما بعد الصراع إلى ثورة بيانات (Data Revolution) لإحصاء الأضرار وتوجيه التنمية بعدالة. شهر مارس يذكرنا أن العلم هو الأداة الوحيدة التي لا تنحاز، وهو القاسم المشترك الذي يمكن أن يجتمع عليه السودانيون لبناء “جمهورية المعرفة”.
الاستثمار في العقل السوداني، وتطوير المناهج لتواكب الذكاء الاصطناعي وتقنيات البناء الحديثة، هو الضمان الوحيد لعدم تكرار أخطاء الماضي. إن إعمار الروح السودانية يبدأ من إيماننا بأن المعمل والمدرسة هما خط الدفاع الأول عن مستقبل البلاد.
إن مارس، شهر العلوم، هو نداء لنا جميعاً بأن الحلول العاطفية أو السياسية الضيقة لن تبني وطناً مستقراً. السودان القادم يجب أن يُبنى بمسطرة المهندس، ومشرط الطبيب، وعقل المبرمج، ورؤية العالم. فهل نجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لتدشين “الكتلة الحرجة” من العلماء والخبراء لقيادة قاطرة الإعمار؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى