دعبدالله عجلون يكتب *مد.ارس ابوذر الكودة … التعليم الخاص صار فخاً للأغنياء والسواد الأعظم يراقب بلا حول

شهد التعليم الخاص في السودان توسعاً ملحوظاً، وأسهم في إستيعاب أعداد كبيرة من الطلاب وتخفيف الضغط عن التعليم الحكومي، مع تقديم بعض البيئات التعليمية الأفضل، غير أن إرتفاع الرسوم الدراسية دون معايير واضحة أو رقابة كافية جعل التعليم الخاص عبئاً ثقيلاً على الأسر، وأثار تساؤلات حول توازن الرسوم مع جودة الخدمة التعليمية، وقد أصبح أحد أبرز مظاهر التفاوت الإقتصادي والإجتماعي، حيث تحولت المدارس مثل (ابوذر الكودة) إلى فخ مالي يثقل كاهل الأسر العادية ويحول التعليم من حق أساسي إلى سلعة باهظة الثمن، فارتفاع الرسوم المدرسية لم يعد مجرد مسألة مالية، بل أصبح مؤشراً على إخفاق منظومة التعليم الخاص في توفير فرص متساوية لجميع أبناء المجتمع.
الرسوم المرتفعة في المدارس تتجاوز قدرة كثير من الأسر المتوسطة، إذ تصل أحياناً إلى مبالغ شهرية تفوق ميزانية عائلية كاملة، فهذا الواقع يضع الأسر أمام خيار صعب: التضحية بميزانية الأسرة أو البحث عن مدارس بديلة أقل جودة، و النتيجة الطبيعية هي أن التعليم الخاص يقتصر على فئة محدودة، بينما تتزايد الهوة بين الفقراء والأغنياء.
*إقتصادياً* يشير هذا الوضع إلى فشل آليات الرقابة والتنظيم الحكومي، التعليم الخاص في السودان الذي يُفترض أن يكون شريكاً في تحسين جودة التعليم العام، أصبح سوقاً مفتوحة للجشع التجاري، وقد ظلت المدارس الكبرى تستغل الطلب المتزايد على التعليم الجيد وتفرض رسوما بلا سقف ولا رحمة، مستندة في ذلك إلى سمعتها الأكاديمية الممتازة وقدرتها على جذب الأسر الراغبة في التعليم الأفضل لأبنائها، هذا السلوك يحوّل التعليم من خدمة إجتماعية إلى مشروع تجاري محض متجاهلاً المسؤولية الوطنية تجاه الأسر والطلاب.
المسألة لا تقتصر على الجانب المالي فقط بل تتعلق بجودة التعليم ذاته، ارتفاع الرسوم لا يعني بالضرورة جودة تعليم أعلى إذ كثير من الأسر يدفعون مبالغ ضخمة دون أن تتناسب مع الخدمات التعليمية أو البنية التحتية المقدمة، هذا التفاوت بين الرسوم والخدمات يثير التساؤل حول مدى التزام المدارس بالمعايير الأخلاقية والمهنية، ويضع الحكومة أمام مسؤولية مراقبة السوق لضمان عدالة التعليم.
من منظور إقتصادي نقدي، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة كحالة نموذجية لسوق غير متوازن، حيث الطلب يفوق العرض، والرقابة غائبة، مما يسمح للمدارس بفرض أسعار مرتفعة بشكل غير منظم. كما أن أثر هذا الارتفاع يمتد إلى الإقتصاد الأسري إذ يضطر الأهل إلى إعادة تخصيص مواردهم المالية، مما يقلل من قدرتهم على الإستهلاك في مجالات أخرى، ويزيد الضغط على الأسر الأكثر هشاشة إقتصادياً.
الحل لا يقتصر على الإنتقاد وحده، بل يحتاج إلى تدخل حقيقي من الدولة عبر سياسات رقابية فعالة تحدد سقوف الرسوم وتراقب جودة الخدمات، وتشجع وجود بدائل تعليمية بأسعار معقولة، بما يضمن العدالة بين جميع الأسر، كما يجب التفكير في دعم مالي للأسر الفقيرة، بحيث لا يصبح التعليم حقاً مفقوداً لمجرد عدم القدرة على الدفع.
في الختام قضية مدارس أبوذر الكودة ليست مجرد موضوع محلي، بل مرآة تعكس تحديات التعليم الخاص في السودان، ارتفاع الرسوم يحول التعليم إلى فخ إقتصادي يضغط على الأسر العادية ويزيد من فجوة الطبقات بينما يظل الأغنياء وحدهم قادرين على الوصول لأفضل الخدمات، إذا لم تتحرك السلطات ومجتمع التعليم لمعالجة هذا الخلل، فإن الفجوة في التعليم ستتسع أكثر، وسيصبح التعليم الخاص رمزا للجشع الإقتصادي وليس للتفوق الأكاديمي.
فتكم بعااافية… نواصل@




