أعمدة الرأي

إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب …

 

الجنيه السوداني في مهب الريح: إلى أين تتجه العملة في زمن الاضطراب؟

 

في ظل مشهد إقتصادي مضطرب يقف الجنيه السوداني اليوم عند مفترق طرق، تتجاذبه عوامل داخلية معقدة وضغوط خارجية متزايدة في كل وقت وحين، ومع إستمرار حالة عدم اليقين في الأسواق يبرز سؤال ملح: هل نحن أمام مرحلة تدهور مستمر، أم أن هناك فرصة لإلتقاط الأنفاس وإعادة التوازن؟

 

من الناحية النظرية تتحدد قوة العملة الوطنية بناءً على متانة الإقتصاد الحقيقي ومستوى الإنتاج، وإستقرار السياسات النقدية والمالية، لكن في الحالة السودانية، يبدو أن هذه المرتكزات قد تعرضت لهزات عنيفة و عميقة، نتيجة الحرب وتداعياتها المباشرة على النشاط الإقتصادي، فقد تراجع الإنتاج بشكل ملحوظ، خاصة في القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة، مما أدى إلى إنخفاض العرض من السلع والخدمات، وزيادة الإعتماد على الواردات.

هذا الخلل بين العرض والطلب انعكس مباشرة على سوق النقد الأجنبي حيث ارتفع الطلب على العملات الصعبة مقابل شح واضح في المعروض منها، ومع محدودية الصادرات وتراجع التحويلات الرسمية، أصبح السوق الموازي هو المتحكم الفعلي في سعر الصرف، الأمر الذي أفقد السياسات النقدية الكثير من فعاليتها.

في المقابل، ساهمت السياسات التوسعية – سواء عبر طباعة النقود أو التمويل العجز – في زيادة الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي حقيقي مما أدى إلى تسارع معدلات التضخم. ومع ارتفاع الأسعار تآكلت الثقة في الجنيه كأداة إدخار، فاتجه الأفراد إلى تحويل مدخراتهم نحو العملات الأجنبية أو الأصول الحقيقية كالعقار والذهب، وهو ما زاد الضغط على العملة المحلية.

ولا يمكن إغفال عامل التوقعات النفسية في هذا السياق؛ إذ تلعب الثقة دوراً محورياً في تحديد إتجاهات العملة ففي بيئة يسودها القلق وعدم اليقين الإستقرار، تصبح المضاربات سلوكاً شائعاً، ويتحول السوق إلى دائرة مغلقة من التوقعات السلبية التي تغذي نفسها بنفسها.

رغم هذا المشهد القاتم لا يزال هناك هامش – وإن كان ضيقاً – لإعادة توجيه المسار. إذ يمكن أن تسهم بعض الإجراءات في تخفيف الضغط على الجنيه، مثل تحسين إدارة موارد النقد الأجنبي، وتوجيه التحويلات عبر القنوات الرسمية، وتشجيع الصادرات، ولو بشكل جزئي، كما أن تعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية قد يساعد في كبح جماح التضخم وإستعادة جزء من الثقة المفقودة.

غير أن هذه المعالجات تظل محدودة الأثر إذا لم تُعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها آستمرار حالة عدم الإستقرار. فالإقتصاد، فهو بطبيعته لا يزدهر في بيئة مضطربة، والعملات لا تقوى في ظل غياب الإنتاج الحقيقي، وبالتالي فإن أي تحسن مستدام في قيمة الجنيه يظل رهيناً بعودة النشاط الإقتصادي، وإستعادة الحد الأدنى من الإستقرار المؤسسي.

في الختام يبدو أن الجنيه السوداني سيظل تحت الضغط في المدى القريب، مع إحتمالات إستمرار التذبذب وربما التراجع، ما لم تحدث تحولات جوهرية في المشهد الإقتصادي والسياسي، وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ما نشهده مجرد مرحلة عابرة من الضعف، أم أننا أمام مسار طويل من فقدان القيمة يتطلب إعادة بناء شاملة؟

 

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى