أقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب ….

*سقوف تمويل محدودة في إقتصاد متضخم … هل تكفي قرارات بنك السودان المركزي لإحداث الأثر؟*
في خطوة جرئية تبدو من حيث الشكل داعمة لقطاعات الإنتاج، أعلن بنك السودان المركزي عن رفع سقوف التمويل الأصغر والصغير ضمن منشوره الأخير مستهدفاً تحفيز الأنشطة الإقتصادية وتعزيز الإنتاج، لا سيما في القطاعات الزراعية والحيوانية وسلاسل القيمة المرتبطة الصادر، غير أن قراءة متأنية لهذه الأرقام في سياق الواقع الإقتصادي الراهن تثير تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية هذه السقوفات لتحقيق الأهداف المعلنة.
لا خلاف على أن توسيع مظلة التمويل الأصغر يمثل أحد أهم أدوات تحريك الإقتصاد الحقيقي، خاصة في دولة مثل السودان حيث يشكل هذا القطاع شرياناً أساسياً للأنشطة الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، لكن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الزيادة، بل في حجمها الحقيقي مقارنة بمعدلات التضخم المتسارعة والانخفاض المستمر في القوة الشرائية ى للعملة المحلية (الجنيه).
فعلى سبيل المثال، رفع سقف التمويل في القطاع الزراعي من 14 إلى 16 مليون جنيه قد يبدو زيادة إيجابية على الورق، لكنه في الواقع قد لا يغطي حتى تكلفة مدخلات إنتاج موسم زراعي واحد في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، التقاوي، الأسمدة، والتحضيرات، والنقل … الخ.
وذات الأمر ينطبق على بقية القطاعات، حيث تبدو الزيادات أشبه بمحاولة “مواكبة رقمية” لا تعكس التحولات الحقيقية في هيكل التكاليف الثابتة والمتغيرة.
الأمر الأكثر إثارة للإنتباه هو أن سقف التمويل الصغير البالغ 30 مليون جنيه، والذي يُفترض أن يمكّن المشاريع من التوسع والتحول إلى كيانات منتجة، قد لا يكون كافياً حتى لتأسيس مشروع صغير الحجم في بيئة إقتصادية تعاني من إختلالات هيكلية، وإرتفاع تكاليف التشغيل، وضعف البنية التحتية.
من زاوية أخرى فإن إستحداث تمويل مخصص لسلاسل القيمة بغرض الصادر بسقوف تصل إلى 25 و22 مليون جنيه للقطاعين الحيواني والزراعي يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تعزيز الصادرات وزيادة حصيلة النقد الأجنبي.
غير أن نجاح هذا التوجه لا يرتبط فقط بحجم التمويل بل بمدى تكامل السياسات الإقتصادية، من إستقرار سعر الصرف، إلى كفاءة سلاسل الإمداد، وصولاً إلى تهيئة بيئة تصديرية تنافسية.
كما أن إدخال قطاع “تأهيل المأوى” ضمن التمويل الأصغر خطوة ذات بعد إجتماعي مهم خاصة في ظل الأوضاع التي أفرزتها الحرب والنزوح واللجوء.
لكن مرة أخرى يظل السؤال قائماً: هل سقف 12 مليون جنيه قادر فعلياً على إعادة تأهيل مسكن في ظل تضخم أسعار مواد البناء والتشيد؟
الإشكالية الأعمق في هذه السياسات تكمن في أنها تعالج جانباً واحداً من الأزمة وهو توفير التمويل، بينما تتجاهل جوانب أخرى لا تقل أهمية مثل تكلفة التمويل (هامش المرابحة)، صعوبة الوصول إليه، وتعقيدات الضمانات التي قد تُقصي الفئات الأكثر احتياجاً.
كما أن التركيز على رفع السقوف دون ربطها بآليات متابعة وتقييم فعالة قد يؤدي إلى توجيه التمويل نحو أنشطة غير إنتاجية، أو حتى إلى مضاربات قصيرة الأجل، وهو ما يفقد السياسة هدفها الأساسي في دعم الإقتصاد الحقيقي.
في ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن قرار رفع سقوف التمويل يمثل خطوة في الإتجاه الصحيح من حيث المبدأ، لكنه يظل محدود الأثر من حيث التطبيق، ما لم يصاحبه إصلاح أوسع في البيئة الإقتصادية الكلية، يشمل إستقرار السياسات النقدية، وضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج الحقيقي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام سياسة تمويلية قادرة فعلاً على تحريك عجلة الإقتصاد، أم مجرد تعديلات رقمية تحاول مجاراة واقع إقتصادي يتغير بوتيرة أسرع من القرارات نفسها؟
*فتكم بعااافية…نواصل@*



