شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
محرقة الجبلين: حين تنهش المسيرات جسد الإنسانية
لم تكن صرخات الأطفال في مستشفى “الجبلين” بولاية النيل الأبيض مجرد أنين عابر، بل كانت إعلاناً صريحاً عن سقوط آخر ورقة توت توارى سوءات المليشيات المتمردة. إن استهداف المرافق الصحية بالمسيرات الانتحارية ليس مجرد خرق عسكري، بل هو انحدار أخلاقي يثبت أن هذه المجموعات قد طلقت الإنسانية طلاقاً بائناً، واختارت أن تخط تاريخها بدم الأبرياء ومداد الحقد.
عندما تتحول غرف العمليات إلى ركام، وأسرة المرضى إلى توابيت، ندرك أننا أمام عدو لا يفرق بين “ثكنة عسكرية” و”حاضنة أطفال”. إن الجريمة البشعة التي ادانتها اللجنة العليا للاستنفار والمقاومة الشعبية، والتي راح ضحيتها كوادر طبية نذرت حياتها لإنقاذ الآخرين، ومرضى لجأوا للمشفى بحثاً عن عافية فوجدوا الموت، تعكس منهجية “الأرض المحروقة” التي تتبعها المليشيا.
لقد استشهد في هذا الغدر العمدة إبراهيم حامد، نائب رئيس المقاومة الشعبية بمحلية الجبلين، ليؤكد بدمائه أن القيادة في السودان ليست مناصب، بل هي تقدم للصفوف وفداء للتراب. وكما قيل في الأثر: “بذل النفس أقصى غاية الجود”، وقد جاد هؤلاء الأبطال بأرواحهم لتظل كرامة النيل الأبيض عصية على الانكسار.
إن المناشدات التي وجهتها المقاومة الشعبية للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لم تأتِ من فراغ، بل هي وضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية. فالعالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، يقف اليوم متفرجاً أمام انتهاكات ممنهجة تستهدف “الأعيان المدنية” التي كفلت كافة المواثيق الدولية حمايتها.
يقول الحكيم: “الساكت عن الحق شيطان أخرس”، وإن الصمت الدولي حيال استهداف المستشفيات في السودان هو بمثابة ضوء أخضر للمجرم للاستمرار في غيه. إن المحاسبة ليست ترفاً، بل هي ضرورة لردع كل من تسول له نفسه تحويل المؤسسات الخدمية إلى أهداف عسكرية.
ما لم تفهمه المليشيا المتمردة هو أن “تكتيك الترويع” لا يزيد الشعب السوداني إلا تماسكاً خلف قواته المسلحة. إن التفويض الشعبي الذي تمثله المقاومة الشعبية في النيل الأبيض اليوم هو الرد الحقيقي على المسيرات الغادرة. فالحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب، والأرض التي تُسقى بدماء الشهداء لا تنبت إلا نصراً وكرامة.
نحن نؤمن يقيناً بالحكمة القائلة: “للظلم جولة وللحق دولة”، وأن دماء الكوادر الطبية والأطفال في الجبلين لن تذهب سدى. إن الثقة في القوات المسلحة السودانية ليست مجرد عاطفة، بل هي إيمان بقدرة المؤسسة العسكرية على تطهير البلاد من دنس المتمردين وعملائهم، واستعادة الأمن لكل شبر من أرض الوطن.
ستظل “الجبلين” شاهدة على غدر المليشيا وصمود الشعب. إن استهداف المشفى لم يكسر الإرادة، بل أشعل فتيل الاستنفار في كل قرية ومدينة. وكما قال الشاعر:
“إذا عُدم الحياءُ فافعل ما تشاءُ”.. وقد نزعت هذه المليشيا برقع الحياء تماماً، ولم يبقَ أمام السودانيين إلا الصمود والالتفاف حول راية الوطن حتى ينجلي هذا الليل.
