أعمدة الرأي

إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب

 

*فاتورة الحروب فوق مائدة الفقراء…الإقتصاد المنهك بين نار الصراع وجوع المواطن.*

في زمن الحروب تختلط الأولويات وتضيع الحدود بين ما هو سياسي وما هو إقتصادي، لكن تبقى حقيقة ثابتة لا تتغير: الفقراء هم أول من يدفع الثمن وآخر من تُلتفت إليهم الحلول، وفي السودان لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية و مليشيا آل دقلو الإرهابية المتمردة، بل تحولت إلى أزمة معيشية خانقة تتسلل إلى كل بيت، وتجلس يومياً على مائدة المواطن في صورة أسعار مرتفعة، ودخل متآكل، ومستقبل غامض.
الإقتصاد السوداني الذي كان يعاني أصلاً من إختلالات هيكلية وجد نفسه في قلب عاصفة مضاعفة، فمع إندلاع الحرب، تعطلت عجلة الإنتاج، وتراجعت الأنشطة الزراعية والصناعية، وتوقفت العديد من الأسواق عن العمل، هذا التراجع لم يكن مجرد أرقام في تقارير بل انعكس مباشرة على توفر السلع الأساسية، من الغذاء إلى الدواء والكساء، وأدى إلى حالة من الندرة المصحوبة بارتفاع حاد في الأسعار.
ان معدل التضخم الذي كان يمثل تحدياً قبل الحرب، أصبح اليوم أكثر شراسة وحدة، فارتفاع تكاليف النقل نتيجة تدمير الطرق أو انعدام الأمن، وزيادة أسعار الوقود، وصعوبة الوصول إلى مناطق الإنتاج، كلها عوامل ساهمت في رفع أسعار السلع بشكل غير مسبوق، المواطن الذي كان بالكاد يوازن بين دخله ومصروفاته اليومية المرتفعة، أصبح عاجزاً عن تأمين إحتياجاته الأساسية.
في ظل هذا الواقع، فقد الجنيه السوداني جزءاً كبيراً من قيمته، ما زاد من تعقيد المشهد.، وفمع ضعف العملة ترتفع تكلفة الواردات، وتعتمد الأسواق بشكل أكبر على التسعير غير المستقر. وهنا تتسع الفجوة بين الدخول والأسعار، ويصبح الادخار حلماً بعيد المنال، بل وحتى الاستهلاك اليومي تحدياً مستمراً.
الحرب أيضاً أعادت تشكيل أولويات الإنفاق العام. فبدلاً من توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والبنية التحتية، يتم استنزافها في مجالات مرتبطة بالصراع. هذا التحول لا يؤثر فقط على الحاضر، بل يهدد مستقبل التنمية، حيث تتراجع الاستثمارات في رأس المال البشري، وتتآكل فرص النمو المستدام.
أما على مستوى السوق، فقد أدت الفوضى الأمنية إلى ظهور ممارسات احتكارية، حيث يستغل بعض التجار حالة الندرة لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه. ومع ضعف الرقابة، يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، يواجه سوقاً غير منضبطة، لا تحكمها قواعد واضحة ولا آليات حماية فعالة.
الطرق البرية، التي تمثل شريان الحياة للتجارة الداخلية، لم تسلم هي الأخرى من تأثيرات الحرب. فإغلاق بعض الطرق أو خطورتها أدى إلى تعطيل حركة نقل السلع، وزيادة تكاليف الشحن، وتأخير وصول المنتجات إلى الأسواق. هذا الواقع خلق تفاوتاً في الأسعار بين المناطق، حيث ترتفع بشكل أكبر في المناطق الأكثر عزلة.
ولا يمكن تجاهل الأثر الاجتماعي العميق لهذه الأزمة. فمع ارتفاع معدلات البطالة وفقدان مصادر الدخل، تتآكل الطبقة الوسطى، وتزداد أعداد الأسر التي تنزلق نحو الفقر. ومع كل يوم يمر، تتراجع القدرة على التكيف، ويزداد الضغط النفسي والمعيشي على المواطنين.
ورغم قسوة المشهد، يظهر المجتمع السوداني قدراً كبيراً من الصمود. مبادرات التكافل الاجتماعي، وتبادل الموارد بين الأسر، والاعتماد على الحلول المحلية، كلها تعكس روحاً جماعية تحاول التخفيف من آثار الأزمة. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن سياسات اقتصادية مستقرة تعالج جذور المشكلة.
اقتصادياً، من الواضح أن استمرار الحرب يعني استمرار النزيف. فلا يمكن تحقيق استقرار في الأسعار أو تحسن في مستوى المعيشة دون استقرار أمني. كما أن أي جهود للإصلاح الاقتصادي ستظل محدودة الأثر إذا لم تُعالج البيئة العامة التي يعمل فيها الإقتصاد.
في الختام إن فاتورة الحروب في السودان لم تعد مجرد تكلفة مالية تتحملها الدولة، بل أصبحت عبئاً يومياً يحمله المواطن على كتفيه، من رغيف الخبز إلى تكلفة العلاج، ومن أجرة المواصلات إلى مصاريف التعليم و كل تفاصيل الحياة أصبحت مشبعة بآثار الحرب.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف نوقف هذه الحرب بل كيف نمنع إستمرار تحميل الفقراء كلفتها؟
لأن الإقتصاد في جوهره، ليس أرقاماً و مؤشرات تقرأ ، بل هو حياة الناس وكرامتهم.
وإذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها السياسية، فإنها تُحاكم أخلاقياً بمدى ما تُلحقه من معاناة المدنيين، وفي الحالة السودانية يبدو أن الفاتورة تجاوزت حدود الاحتمال وأصبحت الحاجة ملحّة لوقف هذا النزيف وإعادة توجيه الموارد نحو ما يحفظ حياة الناس ويصون مستقبلهم،
فحين تصبح المائدة خالية، ندرك أن الحرب لم تعد معركة في الميدان…بل أزمة في كل بيت.

*فتكم بعااافية…نواصل@*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى