إقتصاد الناس

: د. عبدالله عجلون يكتب
*الجامعة التي تُنتج… لا تنتظر التمويل بل تصنعه (في زمن إعادة الإعمار)*
أستهل مقالي اليوم بكلمة السيد
البروفيسور/كمال محمد عبيد
رئيس إتحاد الجامعات الإسلامية والتي ألقاها
خلال مخاطبته لإفتتاح دورة مهارات القيادة الأكاديمية في مؤسسات التعليم العالي التي نظمتها إدارة الجودة بجامعة إفريقيا العالمية بالتعاون مع إتحاد الجامعات الإسلامية في إفريقيا و قدمها بروفيسور الصديق آدم بركات.
و الذي دعي فيها لتغيير وظائف الجامعات بإضافة وظيفة الإنتاج بالجامعات وقال إن المؤسسات لن تصمد في السنوات القادمة أمام عقبة التمويل وأعتبر الإنتاج حلاً ناجزاً للمعضلة.
وكانت الدورة قد بدأت
اعمالها يوم الثلاثاء الماضي الموافق: السابع من شهر أبريل 2026م الجاري و سوف تستمر لمدة ثلاثة أيام متتابعة.
وهنا لا بد أن أشير الي ان أزمة تمويل الجامعات والتي لم تعد مجرد تحدٍ إداري أو مالي عابر، بل تحولت بعد تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل 2023م الدائرة الآن إلى إختبار وجودي حقيقي لمستقبل التعليم العالي، فالجامعات التي تضررت بنياتها، وتوقفت أنشطتها، لم تعد تملك رفاهية الإنتظار بل باتت مطالبة بإبتكار حلول عاجلة تعيدها إلى دائرة الفعل،
علماً بأن الجامعات الحديثة أصبحت الان تعاني من مشاكل ميزانيتها (الفصل الأول & التسير) بعد تنمر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عليها بحجة تحديث السجل الوظيفي الفعلي وهي تعلم أنها ليس لديها موارد مالية و ليس قبول كبير في عدد الطلاب يمكن أن يدر لها إيرادات ذاتية من الرسوم الدراسية.
اما بند التنمية فأصبح من سابع المستحيلات في هذا الظرف الحرج مقترنا مع
إعادة إعمار الجامعات (الحلم الجميل) الذي تطالب به إدارات الجامعات عبر اللجان التي تشكلت من قبل الوزارة،
عليه فأن اوفت الحكومة بذلك، فلا ينبغي أن تُختزل في إعادة بناء وتأهيل القاعات والمكاتب الادارية والمعامل والورش فقط، بل يجب أن تكون عملية تحول إستراتيجي نحو نموذج “الجامعة المنتجة”. وهنا تكتسب دعوة البروفيسور كمال محمد عبيد بُعداً عملياً بحيث يصبح الإنتاج وسيلة لإعادة الإعمار وليس مجرد خيار تنموي عادي كما في السابق.
رسالتي العاجلة ابعثها لرؤساء مجالس الجامعات الحكومية و الإدارات العليا للجامعات(المدراء ونوابهم و الوكلاء و مساعديهم)
ولعلها تجد لها أذان صاغية، ها انتم اليوم أمام مسؤولية تاريخية حاسمة وحساسة وانتم علي قمة الهرم الإداري، وهذا ويتطلب قرارات جريئة وسريعة عبر التفكير (خارج الصندوق) ، اي قرارات تتجاوز النمط التقليدي في الإدارة، وتنتقل إلى عقلية “إدارة الأزمة بالفرص”. عبر تبني المقترحات و الحلول العملية العاجلة يمكن أن تلخيصها في الآتي:
*أولاً:* إطلاق وحدات إنتاج فورية داخل الجامعات
على كل جامعة أن تبدأ فوراً بمشاريع إنتاجية صغيرة وسريعة العائد، مثل الزراعة (الخضروات، الأعلاف، البستنةبإنتاج الشتول)، والإنتاج الحيواني (الألبان، اللحوم الحمراء، الدواجن والاستزراع السمكي) أو التصنيع الغذائي، أو الطباعة والنشر، إن هذه المشاريع لا تحتاج إلى رأس مال كبير، لكنها توفر سيولة أولية تُستخدم في أعمال الصيانة والتشغيل.
*ثانياً:* تفعيل الإستثمار في الأصول الجامعية إذ تمتلك الجامعات أراضي واسعة ومواقع إستراتيجية مميزة يمكن إستثمارها عبر عقود شراكة مع القطاع الخاص (BOT أو PPP)، لإنشاء مشاريع مثل مراكز طبية، مجمعات سكنية طلابية، أو مراكز تدريب مدفوعة لاكتساب المهن والمهارات.
*ثالثاً:* إنشاء مكاتب إستشارية مدفوعة في كل المجالات.
كما يجب تحويل الخبرات الأكاديمية إلى خدمات إستشارية تقدم للحكومة والقطاع الخاص في مجالات التخطيط، والهندسة، والإدارة، والدراسات الإقتصادية، هذا المورد يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر الدخل المستدام.
*رابعاً:* التحول السريع نحو التعليم الرقمي الهجين في ظل تضرر البنية التحتية، يمثل التعليم الإلكتروني حلاً عملياً منخفض التكلفة. ويمكن للجامعات تقديم برامج قصيرة مدفوعة (دبلومات، دورات مهنية) تستهدف السوق المحلي والإقليمي.
*خامساً:* إنشاء صناديق لإعادة الإعمار الجامعي
تُدار بشفافية عالية، وتُفتح للمساهمات من الخريجين، ورجال المال و الأعمال، والمنظمات الوطنيةو الإقليمية و الدولية، على أن تُربط هذه الصناديق بمشاريع إنتاجية تضمن إستدامتها.
*سادساً:* تفعيل حاضنات الأعمال والإبتكار
بدلاً من إنتظار الوظائف، يمكن للجامعات أن تخلق رواد أعمال من طلابها، عبر دعم مشاريع ريادية صغيرة قابلة للنمو من خلال ابتكارات الطلاب(مشاريع التخرج)، خاصة في مجالات التكنولوجيا والزراعة والخدمات.
*سابعاً:* إعادة هيكلة الإنفاق وترشيد الموارد
لا يمكن الحديث عن الإنتاج دون ضبط الإنفاق. المطلوب مراجعة دقيقة لبنود الصرف، وتوجيه الموارد نحو الأنشطة ذات العائد المباشر، وفي هذا السياق تبرز أهمية بناء قدرات القيادات الجامعية، كما يحدث في البرامج التي تنفذها جامعة إفريقيا العالمية، بمشاركة خبراء مثل الصديق آدم بركات، حيث تمثل هذه الجهود نقطة انطلاق لإدارة التحول بكفاءة.
إن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من “إدارة الندرة” إلى “صناعة الفرص”. فالجامعات التي ستنجح في ربط إعادة الإعمار بالإنتاج، لن تستعيد عافيتها فقط بل ستؤسس لنموذج أكثر قوة واستقلالاً.
ويبقي السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على طاولات رؤساء مجالس الجامعات والإدارات العليا: هل نعيد بناء جامعات تستهلك الموارد كما كانت قبل الحرب في شكل بدلات و حوافز لجان وإجتماعات ومأموريات و ورش و وتذاكر ونثريات سفر داخلية و خارجية، أم نؤسس لجامعات تُنتج … فتُعمر نفسها وتُعمر.
فتكم بعااافية…نواصل@

