أعمدة الرأي

مؤتمر برلين خطوة العالم في الإتجاه الخطأ

 

 

سعد محمد عبدالله يكتب …

 

إنعقد مؤتمر برلين لمناقشة قضايا سودانية، لكن بعيدًا عن تمثيل حكومة السودان، الأمر الذي أثار تساؤلات جوهرية حول مدى إلتزام المجتمع الدولي بمواثيق الأمم المتحدة، خاصةً ما يتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وقد أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي أن مخرجات المؤتمر لا تعبّر عن موقف الخرطوم بأي حال من الأحوال، بل تعكس وجهات نظر المشاركين فيه فقط، وهو موقف يعكس حساسية المرحلة وتعقيداتها؛ فالدعوة لمناقشة أزمة دولة ما دون إشراك مؤسساتها الرسمية تضعف من مصداقية أي نتائج تصدر عن مثل هذه اللقاءات، حتى وإن كانت مغطاة بشعارات إنسانية تتبعها تبرعات بمليارات الدولارات تنتهي على أعتاب قاعة المؤتمر، ويصعب تنفيذها، وتظل الحقيقة أن الأزمات الوطنية لا يمكن معالجتها البتة عبر مقاربات خارجية تتجاوز أصحاب الشأن الحقيقيين، بل تحتاج إلى رغبة وإرادة داخلية مدعومة بتوافق وطني شامل، يتبعه وضع حدود منطقية للمساهمات الدولية في السير نحو الحلول المرجوة؛ فتغييب الصوت السوداني الأصيل عن منصات الحوار الدولي لا يخدم قضية السلام والإستقرار، بل يهدد بتكريس واقع سياسي مفروض من الخارج، وهو ما يتناقض مع مبادئ العدالة الدولية ويضعف فرص الوصول إلى حلول مستدامة تنبع من داخل المجتمع السوداني.

 

إن إنعقاد مثل هذه المؤتمرات في غياب الحكومة السودانية والقوى الوطنية الحية، مهما كانت دوافعه المعلنة، يُعد تبسيطًا مخلًا لقضايا معقدة تتطلب فهم عميق ومعالجة دقيقة وشاملة؛ فالسودان يمر اليوم بمرحلة حساسة لا تحتمل التجاذبات أو التدخلات التي قد تفتح المجال أمام جهات غير شرعية لفرض رؤى سياسية تخدم مصالح ضيقة على حساب وحدة البلاد وإستقرار شعبها؛ فبرلين، رغم ثقلها السياسي والإقتصادي، لا يمكنها أن تدرك تفاصيل الواقع السوداني أكثر من أبنائه الذين عايشوا الأزمات عبر التاريخ وقدموا التضحيات من أجل وطن حر ومستقر، ومن هنا؛ فإن أي محاولة لتجاوز المؤسسات الوطنية أو إستبدالها بتحالفات أو أطراف محددة تمثل إنحرافًا عن المسار الصحيح، وتجاهلًا لتعقيدات المشهد السياسي والإجتماعي في السودان، وبالتالي؛ فإن الخطوة في الإتجاه الخطأ هي تلك الحلول المستوردة من الخارج وخطابات “المكياج السياسي”، والتي مهما بدت جذابة في ظاهرها، تظل عاجزة عن ملامسة جذور الأزمة ما لم تُبنَ على فهم عميق للسياق المحلي وبعيدًا عن المساحيق؛ فمن الأفضل النظر في المرآة بعين سودانوية تبصر الوجه الحقيقي للوطن، وتستند إلى مشاركة حقيقية لكل مكونات المجتمع السوداني دون إقصاء أو إنتقاء.

 

لقد أثبتت تجارب عديدة في العالم أن تغييب صوت الدولة والمجتمع في معالجة الأزمات يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية مدمرة، حيث تتفاقم المشكلات بدلًا من حلها، وتمتد معاناة الحروب إلى ما لا نهاية، وتتسع الفجوة بين الواقع الأطروحات النظرية التي لا تجد طريقها إلى التطبيق، وفي هذا السياق، يخطئ من يعتقد أن المشاركة الشكلية في مثل هذه المؤتمرات تمثل فرصة حقيقية للتأثير على الرأي العام العالمي الذي لا يهتم أصلًا بمشكلات السودان على النحو الذي يؤثر في مواقع القرار؛ إذ إن الحضور الرمزي قد يتحول إلى غطاء سميك لتمرير أجندات لا تعبّر عن مصالح الشعوب وتطلعاتها نحو المستقبل، بل إن المقاطعة، في بعض الحالات، تكون موقفًا أكثر إتساقًا مع مبدأ السيادة الوطنية وروح الكفاح الوطني من أجل التغيير والتحرر، خاصةً إذا كانت المشاركة تعني القبول الضمني بترتيبات لا تحظى بإجماع داخلي؛ فالشعب السوداني، الذي دفع أثمانًا باهظة في مقاومة أشباح الإستعمار، يستحق أن يكون صوته حاضرًا في كل منصة تناقش مستقبله، وبعد إنتهاء مؤتمر برلين، تبدو الحاجة ملحّة لإجراء مراجعات جادة للمواقف، والإستعداد للمرحلة القادمة برؤية وطنية واضحة تعيد الإعتبار لدور الداخل في صياغة الحلول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى