أعمدة الرأي

إقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

 

حين تُنذر نملة أمة: المسؤولية المجتمعية أساس النجاة الإقتصادية

في مشهد قرآني بالغ الدلالة يروي لنا القرآن الكريم قصة نملة صغيرة أدركت الخطر قبل وقوعه، فبادرت بالتحذير: “يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ”. صدق الله العظيم
لم يكن ذلك مجرد سلوك غريزي بل نموذجاً متكاملاً للمسؤولية المجتمعية، حيث يتقدم الوعي الجمعي على المصلحة الفردية، وتتحول النجاة إلى مشروع جماعي.
هذه القصة رغم بساطتها الظاهرية تحمل أبعاداً إقتصادية عميقة.
فالمجتمعات التي تنجح في إدارة أزماتها ليست بالضرورة الأكثر ثراءً بل الأكثر وعياً وتنظيماً وتكافلاً، فالنملة لم تهرب وحدها بل خاطبت مجتمعها وهو جوهر المسؤولية المجتمعية: أن يشعر الفرد بمسؤوليته تجاه الآخرين، خاصة في أوقات الخطر.
في الإقتصاد الحديث يُعرف مفهوم المسؤولية المجتمعية بأنه إلتزام الأفراد والمؤسسات بالمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، ليس فقط من خلال الربح بل عبر حماية المجتمع والبيئة. لكن في كثير من الحالات، يتحول هذا المفهوم إلى شعارات دعائية، بينما الواقع يكشف عن فجوة بين القول والفعل.
عندما ننظر إلى واقعنا خاصة في البيئات التي تعاني من أزمات إقتصادية، نجد أن غياب المسؤولية المجتمعية يُفاقم التحديات، فالتاجر الذي يرفع الأسعار دون مبرر، والمورد الذي يحتكر السلع، والمواطن الذي يستهلك دون وعي، كلهم يساهمون – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تعميق الأزمة، في المقابل لو تصرف كل فرد بروح “النملة”، لأدي لتقليل الأضرار بل وتحويل الأزمات إلى فرص.
الإقتصاد لا يُدار فقط بالسياسات فحسب بل أيضًا بالسلوكيات اليومية. فحين يلتزم المنتج بالجودة، والمستهلك بالترشيد، والحكومة بالعدالة، تتشكل منظومة إقتصادية متماسكة. المسؤولية المجتمعية هنا ليست خياراً أخلاقيًا فقط بل ضرورة إقتصادية.
من زاوية تحليلية تشير الدراسات إلى أن المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من الثقة والتكافل تحقق نمواً إقتصادياً أكثر استقراراً. فالثقة تقلل من تكاليف التعامل، والتكافل يخفف من آثار الصدمات، والتعاون يعزز الإنتاجية. وهذه كلها عناصر كانت حاضرة في سلوك النملة التي لم تكتفِ بالتحذير بل افترضت حسن النية: “وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”، وهو درس في تجنب الإتهام المسبق، وبناء العلاقات على حسن الظن.
في السياق السوداني حيث تتداخل التحديات الإقتصادية مع الأزمات الإجتماعية، يصبح إستحضار هذا النموذج أكثر أهمية، فالمسؤولية المجتمعية يمكن أن تكون صمام أمان في ظل ضعف الموارد، المبادرات الشعبية، والتكافل المجتمعي، ودعم الإنتاج المحلي، كلها أدوات يمكن أن تعيد التوازن للإقتصاد من القاعدة إلى القمة.
كما أن المؤسسات – سواء كانت حكومية أو خاصة – مطالبة بتبني سياسات مسؤولة مثل دعم الفئات الضعيفة، والإستثمار في التعليم والصحة، والإلتزام بالشفافية، فالمؤسسة التي تنفصل عن مجتمعها، تفقد شرعيتها مهما حققت من أرباح.
ختاماً ان قصة النملة ليست مجرد حكاية بل منهج حياة، وإنها دعوة إلى أن نكون أكثر وعياً، وأكثر مسؤولية، وأكثر رحمة.
فالمجتمع الذي يحمي أضعفه هو الأقدر على البقاء، والإقتصاد الذي يُبنى على القيم هو الأكثر إستدامة.
فلنستلهم من تلك النملة الصغيرة درساً كبيراً،
وأن النجاة لا تكون فردية، وأن المسؤولية تبدأ بكلمة صادقة، وموقف شجاع، وضمير حي. وبين تحذير النملة، وهداية السماء، تتجلى حقيقة واحدة: أن الإنسان مهما بلغ، يظل محتاجاً إلى القيم ليبقى إنساناً مكرماً.

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى