إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب ….

إقتصاد الرحمة بعد الحرب… دروس نبوية في زمن الإنهيار
في خِضم حرب الخامس عشر من أبريل 2023م والتي ما تزال تدور، لم يعد الحديث عن التيسير وقضاء حوائج الناس مجرد خطاب ديني أو أخلاقي، بل تحوّل إلى ضرورة إقتصادية لإنقاذ مجتمع أنهكته الحرب، فحين تتراجع الدولة، وتتآكل المؤسسات، وتضيق سبل العيش، تظهر الحاجة إلى منظومة قيم تُعيد التوازن، وهنا تبرز التوجيهات النبوية الشريفة كإطار عملي لبناء إقتصاد إنساني.
لقد أرست السنة النبوية مبدأ التيسير كقاعدة عامة في التعامل حيث قال النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، وهو توجيه يتجاوز الوعظ إلى صميم السياسات العامة، فاليوم في ظل أوضاع إقتصادية خانقة، يصبح التيسير في الضرائب، والخدمات، والتمويل، والرسوم الحكومية، ليس فقط خياراً أخلاقياً بل ضرورة لإنعاش الأسواق وإعادة الثقة، وفي سياق المعاملات المالية يقدّم الحديث الشريف نموذجاً بالغ العمق حين قال ﷺ: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». هذا الحديث يضع أساساً لإقتصاد يقوم على السماحة لا الاستغلال. فالتاجر الذي يُراعي ظروف الناس اثناء الحرب، ويُخفف عنهم، يساهم في تحريك السوق، بدل أن يخنقه بالجشع ورفع الأسعار غير المبرر، بل إن التوجيه النبوي يصل إلى ذروة الإحساس بالآخر في مسألة الديون، حيث قال ﷺ: «من أنظر معسراً أو وضع له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». في واقع السودان اليوم، حيث فقد كثيرون مصادر دخلهم، يصبح هذا الحديث دعوة صريحة للمصارف، والدائنين، والمؤسسات، لإعادة جدولة الديون، أو حتى التنازل عن جزء منها، كإستثمار في استقرار المجتمع.
أما قضاء حوائج الناس فقد جعله النبي ﷺ من أعظم القربات بقوله: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». وفي رواية أخرى: «لأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً». هذه النصوص تؤسس لفكرة أن خدمة الناس ليست عملاً ثانوياً، بل ركيزة لبناء مجتمع متماسك وإقتصاد مستقر.
عند إسقاط هذه القيم على واقع ما بعد الحرب، نجد أن غيابها يُفاقم الأزمة، فحين تُفرض رسوم دون مراعاة، وتُعقّد الإجراءات، ويُترك المواطن لمصيره، فإننا لا نُدير إقتصاداً بل نُسرّع إنهياره.
في المقابل فإن تبني سياسات قائمة على التيسير—كخفض الرسوم، وتبسيط الإجراءات، ودعم المشاريع الصغيرة—يمكن أن يُعيد الحياة تدريجياً إلى الإقتصاد.
إن ما يمر به السودان اليوم ليس مجرد أزمة مالية بل إختبار أخلاقي عميق. فإما أن نُعيد بناء الإقتصاد على أساس الرحمة والتكافل، كما دعت السنة النبوية، أو نستمر في دوامة التشدد التي تُنتج الفقر والتفكك.
خاتمة تحذيرية:
إن تجاهل هذه التوجيهات النبوية في زمن الحرب وما بعدها لا يعني فقط فقدان البعد الأخلاقي، بل يحمل كلفة إقتصادية باهظة، فالمجتمعات التي تُهمل التيسير، وتغفل عن قضاء حوائج الناس، تُمهّد لإنفجارات إجتماعية يصعب إحتواؤها، وبين طريق الرحمة وطريق القسوة، لا يقف الإقتصاد على الحياد بل ينحاز دائماً لما يحفظ كرامة الإنسان.
فتكم بعاافية… نواصل@

