إقتصاد الناس :د.عبدالله عجلون يكتب

السودان … ثروات بلا عائد وسكان بلا نصيب: أين الخلل؟
منذ إستقلال السودان في عام 1956م ظل الإقتصاد الوطني يتأرجح بين وفرة الموارد وشحّ النتائج، في مشهد يزداد تعقيداً مع تزايد عدد السكان واتساع رقعة الأزمات، واليوم ومع تقديرات سكانية تتجاوز 45 مليون نسمة تقريباً، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً هل تكفي موارد السودان الضخمة لتلبية إحتياجات هذا العدد المتزايد، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الإدارة والتوزيع، خاصة في ظل تاريخ طويل من الحروب الأهلية؟
من الناحية النظرية لا يُعد عدد سكان السودان عبئاً إقتصاديا بقدر ما هو فرصة تنموية هائلة، فهذه الكتلة السكانية تمثل قوة عمل كبيرة وسوقاً إستهلاكياً واعداً إذا ما أُحسن توظيفها ضمن سياسات إنتاجية فعالة، غير أن الواقع عكس ذلك؛ حيث ترتفع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب من الجنسين، وتتسع دائرة الفقر، ويعاني الإقتصاد من ضعف الإنتاجية وغياب القيمة المضافة،
لقد لعبت الحروب الأهلية منذ الحرب في الجنوب وجبال النوبة و النيل الأزرق مروراً بدارفور، وصولا إلى تمرد مليشيا الدعم السريع في أبريل 2023م، دوراً كبيراً في تعطيل هذا المورد البشري. فالنزوح الجماعي، وتدمير البنية التحتية، وإنقطاع التعليم والرعاية الصحية، كلها عوامل أضعفت رأس المال البشري، وحوّلت جزءاً كبيراً من السكان من قوة إنتاج إلى عبء إنساني يحتاج إلى الإغاثة،
لكن مرة أخرى، لا يمكن تفسير هذا الواقع بالحروب فقط، فحتى في فترات السلم النسبي، لم تُوظف الكتلة السكانية في مشاريع تنموية حقيقية، ولم تُربط السياسات التعليمية بإحتياجات السوق الفعلية، ولم تُستثمر الطاقات الشبابية في قطاعات الإنتاج، بل تُركت لتواجه البطالة أو الهجرة العشوائية الغير منظمة من الحكومة،وهنا يتجلى الخلل في الإدارة لا في عدد السكان.
أما من حيث الموارد فإن السودان يمتلك من الأراضي الزراعية ما يكفي لإطعام أضعاف عدد سكانه، إلى جانب ثروات معدنية ومائية هائلة، لكن هذه الموارد تُدار بشكل تقليدي، وتُستغل دون تخطيط إستراتيجي، مما يؤدي إلى ضعف العائد الإقتصادي، والأسوأ من ذلك أن توزيع هذه الموارد لا يتناسب مع الكثافة السكانية، حيث تتركز الخدمات في مناطق محدودة، بينما تعاني مناطق واسعة من التهميش، رغم كثافتها السكانية العالية ومواردها الضخمة.
ان التعداد السكاني في هذا السياق يكشف عن فجوة عميقة بين الإمكانيات والواقع، فبدلاً من أن يكون السكان عنصراً في معادلة النمو، أصبحوا مؤشراً على فشل السياسات الإقتصادية في تحقيق العدالة و الكفاءة، ومع غياب بيانات دقيقة ومحدثة، تظل السياسات العامة تُبنى على تقديرات، لا على حقائق مما يفاقم من سوء التوزيع ويُضعف فعالية التخطيط الجيد.
تمرد مليشيا الدعم السريع في 2023م جاء ليزيد من تعقيد هذه المعادلة حيث أدى إلى لجوء ونزوح ملايين المواطنين، وخلق إختلالات ديموغرافية مفاجئة، وضغطاً هائلاً على الموارد والخدمات في مناطق الاستقبال اي ولايات سيطرة الجيش، كما أدى إلى تراجع النشاط الإقتصادي، وتوقف الإنتاج في مناطق واسعة، مما جعل تلبية إحتياجات السكان أكثر صعوبة.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يكمن في عدد سكانه، بل في كيفية إدارة هذا المورد البشري ضمن رؤية إقتصادية شاملة. فالإصلاح يتطلب ربط التعداد السكاني بالتخطيط التنموي، وتوزيع الموارد بعدالة، والإستثمار في التعليم والصحة والخدمات، وتحفيز الإنتاج، خاصة في القطاعات الزراعية والصناعية.
في الختام يبقى السؤال موجهاً لحكومة الأمل الحالية:إذا كان السودان يمتلك الموارد و السكان الموقع الإستراتيجي… فلماذا لا يملك اقتصاداً قوياً؟ وهل ستظل الكتلة السكانية رقماً في إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء، أم تتحول إلى قوة حقيقية تقود التنمية وتُعيد بناء الدولة بعد الحرب؟
فتكم بعااافية…نواصل@




