إقتصاد الناس

د.عبدالله عجلون يكتب
أولويات الإقتصاد في مرحلة التعافي.
بين أنقاض الحرب وارتفاع الأسعار، وتراجع الإنتاج، يقف الإقتصاد السوداني عند مفترق الطرق؛ فإما أن تتحول مرحلة ما بعد الأزمة الحالية إلى فرصة حقيقية لإعادة البناء، أو تستمر دوامة المعالجات المؤقتة التي أنهكت المواطن وأضعفت الدولة، واليوم ومع تصاعد الآمال المعلقة على حكومة الأمل، لم يعد السؤال مرتبطاً بحجم التحديات بقدر ما يرتبط بقدرة الحكومة على ترتيب أولوياتها الإقتصادية بصورة ذكية وعاجلة، فهل تمتلك بالفعل وصفة الإنقاذ أم أن الإقتصاد سيظل يدفع ثمن التأجيل كل عام؟
في اللحظات التي تبدأ فيها الدول الخروج من أزمات الحروب والإضطرابات لا يكون التحدي الأكبر هو رفع الشعارات البراقة والخطب الحماسية، بل ترتيب الأولويات الإقتصادية بصورة واقعية وسريعة، وحكومة الأمل في السودان تقف اليوم أمام إقتصاد مثقل بأثار الحرب الدائرة الآن، ونتج عنها إنكماش الإنتاج، وتراجع الإيرادات، وإرتفاع معدلات البطالة والفقر و والهجرة والنزوح، وإنهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية، لذلك فإن الإصلاح الإقتصادي المطلوب الآن يجب أن يكون إصلاحاً إسعافياً عملياً لا خطب نظرية ولا وصفات مستوردة جاهزة.
الأولوية الأولى يجب أن تكون إستعادة الإستقرار النقدي وكبح انهيار الجنيه، فلا يمكن لأي مستثمر أو منتج أن يعمل وسط تقلبات يومية في سعر الصرف، فالمطلوب بصورة عاجلة توحيد سعر الصرف، ومحاربة المضاربات في النقد الأجنبي، وإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي عبر تسهيل التحويلات الإلكترونية، وتشجيع السودانيين بالخارج على تحويل مدخراتهم عبر القنوات الرسمية بحوافز مجزية.
أما الأولوية الثانية فهي إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية المعطلة، وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين. السودان لا يعاني من ندرة الموارد بل من ضعف وسوء الإدارة، ملايين الأفدنة الزراعية تحتاج فقط إلى تمويل موسمي، ومدخلات إنتاج، وتأمين طرق النقل، كما أن الذهب يجب أن يتحول من مورد مهرب إلى مصدر رسمي للنقد الأجنبي عبر إنشاء بورصة ذهب سودانية تحد من التهريب وتزيد الإيرادات.
الأولوية الثالثة تتمثل في إصلاح المالية العامة عبر وقف النزيف الحكومي، فالدولة تحتاج إلى مراجعة الإنفاق السيادي والإداري غير المنتج، وتقليص الإمتيازات الحكومية، وتوسيع المظلة الضريبية بعدالة بدلاً من الضغط المستمر على نفس القطاعات المنظمة، كما يجب دمج الشركات الحكومية والأمنية داخل ولاية وزارة المالية لتحقيق الشفافية الكاملة.
الأولوية الرابعة هي إعادة الإعمار الإقتصادي السريع في المناطق المتضررة من الحرب، ويمكن إنشاء صندوق وطني لإعادة الإعمار يشارك فيه القطاع الخاص السوداني والمغتربون، والمؤسسات الإقليمية والدولية، مع توجيه الموارد أولاً للمياه والكهرباء والمستشفيات والأسواق والطرق الزراعية.
وهنا لابد أن اشير إلي الأولويات غير التقليدية التي يجب ألا تُغفل، الإستثمار في الإقتصاد الرقمي والشباب، فآلاف من الشباب يمتلكون مهارات تقنية وريادية، لكنهم يفتقرون إلى التمويل والحاضنات التي تستوعبهم، دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتطبيقات الرقمية والعمل الحر يمكن أن يخلق فرصاً سريعة بتكلفة أقل من المشاريع التقليدية الضخمة.
عملياً تحتاج حكومة الأمل خلال الأشهر القادمة إلى إعلان حزمة عاجلة تشمل: تثبيت أسعار السلع الأساسية، دعم المنتجين، محاربة التهريب، إصلاح الجمارك، جذب تحويلات المغتربين، وإطلاق مؤتمر إقتصادي وطني يضم الخبراء والقطاع الخاص و صغارالمزارعين والمنتجين.
السودان لا تنقصه الموارد ولا الفرص لكنه يحتاج إلى حكومة تُحسن ترتيب الأولويات، وتدرك أن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بعدد المؤتمرات والوعود، بل بقدرتها على إعادة الخبز بأسعار زهيدة إلى المائدة، والدواء الجيد إلى المستشفيات، والإنتاج إلى الحقول والمصانع والخدمات بأعلي جودة وتحسين مستمر.
فتكم بعااافية… نواصل@




