اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

تركيا تتصدر … هل يلحق السودان بقطار الاقتصاد الصاعد؟
منذ سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي دخلت دولة تركيا مرحلة طويلة من إعادة بناء الدولة والاقتصاد على أسس حديثة، وعلى مدار قرن تقريباً تنقلت بين أزمات حادة وإصلاحات جذرية، حتى استطاعت أن تتحول تدريجياً إلى واحدة من أكبر الاقتصاديات الصاعدة في العالم الإسلامي.
هذا المسار لم يكن صدفة بل نتيجة تراكم سياسات صناعية وتجارية واستثمارية متماسكة.
في عام 2026م ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي نجحت تركيا في تجاوز الناتج المحلي الإجمالي حاجز 1.64 تريليون دولار، متفوقة على إندونيسيا لتصبح أكبر اقتصاد إسلامي في العالم. هذا التحول يعكس نجاح نموذج اقتصادي قائم على تنويع مصادر الدخل، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الموارد الطبيعية، بخلاف العديد من الدول النفطية،
نجد ما يميز التجربة التركية هو تركيزها على التصنيع والتصدير، فقد استثمرت في الصناعات التحويلية، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، مما جعلها لاعباً مهماً في سلاسل الإمداد العالمية، كما دعمت الشركات الصغيرة والمتوسطة، وفتحت أسواقاً جديدة في أوروبا وآسيا وأفريقيا، هذا النهج منح الاقتصاد التركي مرونة عالية في مواجهة الصدمات، سواء كانت أزمات مالية أو تقلبات سياسية.
في المقابل تقدم إندونيسيا نموذجاً قوياً قائماً على السوق الاستهلاكي الكبير والموارد الطبيعية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التنوع الصناعي الذي حققته تركيا، أما الدول النفطية فرغم ثرواتها الضخمة، لا تزال تواجه تحدي التحول إلى اقتصاديات إنتاجية مستدامة.
بالنسبة للسودان فإن هذه التجربة تحمل دروساً بالغة الأهمية خاصة في ظل التحديات التي يمر بها منذ حرب أبريل 2023م. فالسودان يمتلك علاقات تاريخية عميقة مع تركيا تعود إلى الحقبة العثمانية، ويمكن إعادة تفعيل هذه الروابط في إطار شراكات اقتصادية حديثة.
لقد شهدت السنوات الماضية استثمارات تركية في مجالات الزراعة، والبنية التحتية، والصناعات الغذائية، وهي قطاعات حيوية يمكن البناء عليها في مرحلة إعادة الإعمار، إن
الفرصة أمام السودان لا تكمن فقط في جذب الاستثمارات بل في تبني نموذج تنموي مستلهم من التجربة التركية: دعم الإنتاج المحلي، تطوير الصناعات التحويلية، تحسين بيئة الأعمال، والانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية، كما يمكن الاستفادة من الخبرات التركية في مجالات التدريب المهني ونقل التكنولوجيا، مما يسهم في بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً واستدامة.
إن صعود تركيا إلى صدارة الاقتصاديات الإسلامية ليس مجرد رقم اقتصادي، بل رسالة واضحة بأن الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي قادران على تغيير مسار الدول، والسودان رغم أزماته يمتلك المقومات التي تؤهله ليكون جزءاً من هذا التحول إذا ما أحسن استغلال الفرص وبناء شراكات ذكية.
في الختام بين أنقاض الأزمات تولد الفرص الكبرى وتجربة تركيا تثبت أن الطريق إلى القوة الاقتصادية يبدأ بخطوات جريئة وإصلاحات حقيقية، فهل يجعل السودان من علاقته التاريخية مع تركيا جسراً نحو نهضته القادمة؟ الإجابة ليست في الإمكانات الاقتصادية الضخمة بل في القرار السيادي الصائب.
فتكم بعااافية…نواصل@

