اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

تعرفة الكهرباء بين كلفة الإنتاج وقدرة المواطن: إلى أين يمضي الميزان؟
في توقيت دقيق يمر فيه الاقتصاد السوداني بتحديات مركبة، أعلنت شركة كهرباء السودان عن زيادة جديدة في تعرفة الكهرباء اعتباراً من مايو 2026، في خطوة وصفتها بأنها ضرورية لمواكبة تكاليف التشغيل والصيانة والتمويل.
وبين منطق الأرقام وضغط الواقع المعيشي يقف المواطن متسائلاً: هل الإصلاح الاقتصادي يراعي قدرته أم يثقل كاهله أكثر؟
من الناحية الفنية تبدو مبررات الزيادة مفهومة؛ فقطاع الكهرباء من أكثر القطاعات تأثراً بارتفاع تكاليف المدخلات، خاصة الوقود وقطع الغيار وتدهور سعر العملة المحلية، كما أن ضعف البنية التحتية للشبكة الكهربائية يتطلب استثمارات ضخمة لضمان الاستقرار وتقليل الفاقد الفني.
وفي هذا السياق تشير الشركة إلى أن سعر الكيلوواط في السودان لا يزال أقل من المتوسط العالمي، وأن الدولة تتحمل أكثر من 80% من التكلفة كدعم مباشر، لكن وعلى الرغم من وجاهة هذه المبررات فإن التحليل الاقتصادي لا يكتمل دون النظر إلى جانب الطلب، أي قدرة المواطن على الدفع. فالزيادات التي تجاوزت 100% في بعض الشرائح تأتي في ظل دخول ثابتة أو متراجعة، وتضخم مرتفع، وتآكل مستمر في القوة الشرائية، وهنا تكمن الإشكالية: الإصلاح من جانب واحد، دون معالجة موازية للدخل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تقليل الاستهلاك الحيوي أو زيادة العبء على الأنشطة الإنتاجية الصغيرة.
التعرفة الجديدة التي حددت شرائح تصاعدية للاستهلاك، تعكس محاولة لتوجيه الدعم نحو الاستهلاك المنخفض، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ، غير أن فعاليته تعتمد على دقة استهداف الشرائح الضعيفة، ومنع تسرب الدعم لغير مستحقيه، كما أن غياب بدائل الطاقة، مثل الطاقة الشمسية بأسعار ميسرة، يجعل المواطن أسيراً لخيار واحد، مهما ارتفعت تكلفته.
اقتصادياً يمكن قراءة هذه الخطوة ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة الدعم، وهو مسار ضروري إذا تم بشكل تدريجي ومدروس، لكن نجاحه يتطلب حزمة متكاملة من السياسات، تشمل تحسين كفاءة التحصيل، تقليل الفاقد، محاربة الفساد في القطاع، وتوسيع الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة. كذلك لا بد من ربط أي زيادة مستقبلية بإجراءات موازية لتحسين الدخل، سواء عبر دعم مباشر أو سياسات تحفيز اقتصادي.
الأخطر في الأمر ليس الزيادة نفسها، بل غياب الثقة بين المواطن والمؤسسات، فكلما شعر المواطن أن العبء يقع عليه وحده دون تحسن ملموس في الخدمة، تتراجع درجة القبول، حتى لو كانت القرارات صحيحة من الناحية الفنية.
ختاماً يبقى السؤال المشروع: هل تمضي سياسات تسعير الكهرباء في اتجاه تحقيق التوازن بين استدامة القطاع وعدالة التكلفة، أم أننا أمام حل مالي قصير الأجل قد يفاقم الأزمة الاجتماعية على المدى البعيد؟
فتكم بعااافية…نواصل@

