اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

الدول تمضي… ومن لا يمضي معها يُدهس تحت عجلات المصالح.
في عالم اليوم لا مكان للثبات فالدول تتحرك بسرعة هائلة نحو إعادة تشكيل اقتصادها وتحالفاتها ومراكز نفوذها، بينما تقف بعض الحكومات والمجتمعات أسيرة الخلافات الصغيرة والخطابات العاطفية والصراعات الداخلية، والحقيقة القاسية أن عجلة المصالح الدولية لا تنتظر أحداً؛ فمن لا يتحرك مع العالم يُترك خلفه، وربما يُدهس اقتصادياً وسياسياً دون رحمة في خضم بحور المصالح المتلاطمة.
فالاقتصاد العالمي لم يعد قائماً على المجاملات أو العلاقات التاريخية وحدها، بل على المصالح المباشرة والقدرة على الإنتاج والتأثير، فالدول الكبرى والصاعدة تعيد ترتيب أوراقها باستمرار؛ الصين توسعت عبر التجارة والبنية التحتية، والهند أصبحت قوة تقنية وصناعية متنامية، ودول الخليج انتقلت من الاعتماد على النفط إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والسياحة والطاقة المتجددة، وتركيا تتربع علي اقتصاديات الدول المسلمة، بينما لا تزال بعض الدول الغارقة في الأزمات تتعامل بعقلية الأمس مع تحديات المستقبل المتسارعة.
المشكلة الحقيقية ليست في ضعف الموارد فكثير من الدول الفقيرة استطاعت أن تتحول إلى نماذج اقتصادية ناجحة بالإدارة الرشيدة والانفتاح على العالم، لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول الدولة إلى ساحة للصراع السياسي المزمن، وتتراجع فيها قيمة الإنتاج أمام ثقافة الاستهلاك، ويصبح الجدل أعلى صوتاً من التخطيط.
في السودان – كما في كثير من الدول النامية – كشفت الحرب والأزمات الاقتصادية حجم الهشاشة التي تراكمت عبر سنوات طويلة منذ الاستقلال، حيث تعطلت المصانع، وانهارت أجزاء من البنية التحتية، وهاجرت الكفاءات، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، بينما يتحرك العالم بسرعة نحو الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الجديدة، هنا يصبح السؤال المؤلم: هل نحن جزء من حركة العالم أم مجرد متفرجين على هامشه؟
إن الدول التي لا تبني اقتصاداً حقيقياً تصبح رهينة للآخرين، تستورد غذاءها ودواءها وتقنيتها وحتى قراراتها أحياناً. وعندما تضعف الدولة اقتصادياً تصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والتدخلات الخارجية، لأن الاستقلال السياسي الحقيقي
يبدأ من الاستقلال الاقتصادي.
ومن أخطر ما يواجه الدول المتأخرة أنها قد تعيش وهم “الوقت المتاح”. فالعالم لا ينتظر المترددين، والأسواق لا ترحم الاقتصاديات الضعيفة، والاستثمارات تبحث عن الاستقرار والكفاءة وسرعة القرار، لذلك فإن التأخر في الإصلاح الاقتصادي ليس مجرد تأخير إداري، بل خسارة متراكمة للفرص والأجيال.
ما تحتاجه الدول اليوم هو عقلية جديدة تقوم على الإنتاج لا الشعارات، وعلى جذب الاستثمار لا طرد رأس المال، وعلى تأهيل الشباب للمهارات الحديثة بدلاً من حبسهم في بطالة مقنعة أو صراعات سياسية لا تنتهي، كما أن بناء مؤسسات قوية وشفافة لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة للبقاء في عالم شديد التنافس.
في الختام إن التاريخ لا يرحم الدول التي تتأخر كثيراً عن حركة العصر، فإما أن تكون الدولة جزءاً من المستقبل المنشود، أو تتحول إلى مجرد ساحة تتصارع فوقها مصالح الآخرين، وبين هذين الطريقين، يبقى السؤال الأخطر: هل نملك الشجاعة الكافية لمراجعة أنفسنا قبل أن تمر عجلة العالم فوق أحلامنا المؤجلة بسبب التسويف؟
فتكم بعااافية…نواصل@




