إقتصاد الناس……. بقلم : د.عبدالله عجلون

الوطن إلى أين؟
بين دروس الانهيار وفرصة النجاة الأخيرة
لم يعد المواطن في السودان يسأل عن الرفاهية أو تحسين مستوى المعيشة، بل أصبح يبحث عن الحد الأدنى من الحياة: كهرباء مستقرة، ماء متوفر، أمن في الطرقات، ودولة يعرف الناس من يحكمها وإلى أين تمضي. هذه المطالب البسيطة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحلام مؤجلة في بلد أنهكته الحرب والصراعات والانقسامات السياسية.
سبع سنوات من التدهور المستمر كانت كافية لتحويل السودان من دولة تعاني أزمات سياسية واقتصادية إلى دولة تواجه خطر التآكل الكامل لمؤسساتها. المواطن اليوم يعيش بين انقطاع الكهرباء، وندرة المياه، وارتفاع الأسعار، وانعدام الأمن، بينما تتصارع القوى السياسية والعسكرية على النفوذ وتقاسم السلطة والثروة، وكأن البلاد لا تقف على حافة الانهيار،
والمقلق أن ما يحدث في السودان ليس جديداً في التاريخ. فدول مثل لبنان وليبيا والصومال مرت بمراحل مشابهة؛ بدأت الأزمات بتراجع الخدمات، وتآكل مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة، ثم تحولت تدريجياً إلى أوطان منهكة يعيش مواطنوها في دوامة من الخوف والهجرة والانقسام.
في لبنان مثلاً لم ينهَر البلد دفعة واحدة، بل انهارت الثقة أولاً؛ كهرباء غائبة، فساد مزمن، وصراعات سياسية عطّلت الدولة حتى أصبح المواطن عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجاته.
أما ليبيا فقد تحولت إلى ساحة مفتوحة للمليشيات والسلاح بعد غياب الدولة المركزية، بينما دفع المواطن وحده ثمن الفوضى. وهذه التجارب تحمل رسالة واضحة للسودان: الدول لا تسقط فجأة بل تتآكل ببطء حين تغيب الرؤية والإدارة الرشيدة.
*اقتصادياً* أصبحت الحرب نفسها جزءاً من الأزمة؛ إذ تمددت اقتصاديات السلاح والذهب والتهريب والجبايات غير الرسمية، وأصبح استمرار الفوضى يخدم مصالح مجموعات متعددة تستفيد من غياب الدولة، وفي المقابل تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وهاجرت الكفاءات، وتآكلت البنية التحتية بصورة مخيفة.
لكن رغم هذا المشهد القاتم ما تزال هناك فرصة لتدارك الانهيار إذا أدركت الحكومة الحالية أن إدارة الدولة في زمن الحرب تحتاج إلى قرارات استثنائية وشجاعة.
*اولا:* يجب علي الحكومة أن تقوم بإيقاف التدهور الخدمي عبر خطة طوارئ للكهرباء والمياه والصحة، لأن المواطن لا يمكن أن يثق في أي مشروع سياسي بينما يعيش في ظلام دائم.
*ثانيا:* يجب علي الحكومة محاربة اقتصاد الحرب أصبحت ضرورة وطنية.
وذلك من خلال ضبط تجارة الذهب والسلاح والتهريب، وإعادة موارد الدولة إلى مؤسساتها الرسمية.
*ثالثاً:* وفي الجانب الاقتصادي، لا بد من إعادة تشغيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وتأمين الطرق والأسواق، لأن السودان لا يمكن أن ينهض بالمساعدات وحدها وهو يمتلك كل هذه الموارد المعطلة.
*رابعاً:* يجب تقليل الصرف الإداري و الإمتيازات الكثيرة، لإعطاء رسالة حقيقية بأن الدولة تشعر بمعاناة الناس.
*خامساً:* الإسراع بإطلاق مشروع وطني جامع يقوم على الحوار لا الإقصاء، لأن استمرار عقلية الغلبة لن يقود إلا إلى مزيد من التمزق.
لقد استطاعت دول مثل رواندا وفيتنام أن تخرج من الحروب حين وضعت الاستقرار والإنتاج فوق الصراعات السياسية، وأعادت بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمصالحة الوطنية، والسودان ليس أقل قدرة من تلك الدول لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تُقدّم الوطن على المصالح الضيقة.
ويبقى السؤال المؤلم: هل تتعامل الحكومة مع الأزمة باعتبارها معركة بقاء وطن، أم مجرد صراع سلطة يمكن تأجيل نتائجه؟ لأن الأوطان لا تنهار فقط بالحروب بل حين يفقد المواطن ثقته في أن هناك من يفكر في إنقاذها.
فتكم بعااافية…نواصل@



