أعمدة الرأي

لسودان وإفريقيا: أسئلة للحوار السياسي والإعلامي

ا

سعد محمد عبدالله

يقف الإتحاد الإفريقي أمام مرحلة دقيقة من تاريخه تتطلب مراجعة شاملة لأدواته السياسية والأمنية والإقتصادية، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي حول موارد القارة الإفريقية ومواقعها الإستراتيجية؛ فهل تستطيع الإجتماعات المكثفة التي يعقدها الإتحاد في العواصم المختلفة أن تنتج خططًا محكمة لمواجهة الأطماع الخارجية وحماية مقدرات الشعوب في القارة الإفريقية، أم ستظل مخرجاتها حبرًا على ورق؟ كما يبرز سؤال محوري آخر حول إمكانية الربط بين تطلعات الحكومات الوطنية والمنظمات الإقليمية مثل الهيئة الحكومية للتنمية والمجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن مشروع إفريقي واسع يمثل خارطة طريق تحمل آمالًا مشتركة لتحقيق السلام والتنمية العادلة، وفي هذا السياق تبدو قضية السودان حاضرة بقوة في المشهد العام، باعتباره أحد المفاتيح المهمة للأمن القومي الإقليمي والإستقرار السياسي في القرن الإفريقي والساحل، وهو ما يجعل من معالجة أزمته ضرورة إفريقية عاجلة وليست مجرد شأن داخلي محدود.

تواجه القارة الإفريقية اليوم تحديات سياسية وأمنية متشابكة لا يمكن حصرها، غير أن الأزمة السودانية تبقى من أكثر القضايا تأثيرًا على مستقبل الإقليم بأكمله، ومن باب المنطق أن توضع قضية السودان في مقدمة الأجندة السياسية للإتحاد الإفريقي، لأنه يمثل جسرًا جغرافيًا وثقافيًا ممتدًا يربط بين شمال إفريقيا وشرقها وغربها وعمقها؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يستطيع السودانيون حتى الآن تقبل فكرة الحوار السياسي السوداني – السوداني باعتباره المدخل الطبيعي لحل الأزمات المتراكمة عبر التاريخ؟ إذ إن إستمرار الإنقسامات السياسية والصراعات المسلحة يهدد بتوسيع حالة عدم الإستقرار في دول القرن الإفريقي والساحل، ويضعف فرص الإستقرار والتنمية والتكامل، ولذلك فإن بناء نظام حكم متماسك ومستقر يتطلب فتح منابر للحوار الوطني الموضوعي، القائم على الشراكة والإعتراف المتبادل والمواطنة بلا تمييز، وصولًا إلى حلول واقعية وشاملة تعالج جذور الأزمة السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

إن إستنهاض همم السياسيين والإعلاميين والمثقفين السودانيين والأفارقة أصبح ضرورة تاريخية من أجل إطلاق حوار تفاكري واسع الآفاق حول قضايا السلام والتنمية والمواطنة والعدالة الإجتماعية؛ فالقارة الإفريقية تمتلك موارد طبيعية هائلة، كما تملك طاقات شبابية ونسائية وإمكانات فكرية ضخمة يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية لبناء نهضة شاملة إذا توفرت الإرادة السياسية والإدارة الجيدة لشؤونها؛ كما أن التعامل مع حالة عدم الإستقرار السياسي والأمني في دول القرن الإفريقي والساحل، والسودان على وجه الخصوص، يتطلب تعاونًا إقليميًا قائمًا على قواعد تبادل الخبرات وتعزيز مؤسسات الدولة ومكافحة الفقر والتهميش والأوبئة الفتاكة، ومن المهم أيضًا توجيه الطاقات الوطنية نحو التعليم والإنتاج والتنمية بدلًا من الإنشغال بالصراعات الداخلية، لأن بناء السلام الدائم لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر مشروع وطني جامع يفتح المجال أمام المشاركة السياسية والتنمية الإقتصادية المتوازنة.

في ختام هذا الطرح، يظل السؤال قائمًا حول إمكانية النهوض بإفريقيا عبر عقد شراكات سياسية وأمنية وإقتصادية مع الدول العظمى، لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: هل يمكن لهذه الشراكات أن تخدم مصالح الشعوب الإفريقية فعلًا، أم أنها تمثل وجهًا جديدًا للإستعمار بأدوات مختلفة؟ وعليه، فإن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على قدرة الأفارقة على الحوار الديمقراطي والنقد التنويري وصياغة مشروع مستقل ومستقبلي يحفظ السيادة الوطنية ويقوم على مفاهيم المصالح المشتركة والتنمية الشاملة؛ بيد أن تحويل كفاح التحرر الوطني إلى أفكار علمية وعملية للإنتاج وبناء المؤسسات يمثل الخطوة الأساسية نحو تأسيس دولة السلام والتنمية والإزدهار في قلب إفريقيا، ومن المؤكد أن مستقبل السودان وإفريقيا لن يصنعه الخارج مهما حدث، بل تصنعه إرادة الشعوب عندما تتوحد حول قيم الحوار والعمل المشترك والعدالة، وتؤمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل وتستند إلى الوعي والمعرفة والعمل والإنتاج والإستقرار السياسي المستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى