اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

حين يتحول الحارس إلى شريك في النهب
الفساد الإداري والاقتصادي… كيف تُستنزف الأوطان من الداخل؟
تروي إحدى القصص الرمزية أن والياً خرج يوماً ليتفقد أحوال رعيته، فلفت انتباهه كلب مشنوق أمام أحد البيوت، سأل صاحب المنزل عن السبب، لكنه رفض الحديث. وبعد إلحاح طويل وافق الرجل على كشف القصة بشرط أن يتولى منصب الوالي لفترة قصيرة، وافق الوالي مدفوعاً بالفضول لكن المفاجأة كانت أن الرجل، فور تسلمه السلطة قد قام بعزل كبار المسؤولين الفاسدين، وأعاد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة، وأوقف حالة التبعية والابتزاز الخارجي التي كانت تعيشها البلاد، ثم كشف سر الكلب قائلاً: لقد كان هذا الكلب مسؤولاً عن حماية القطيع لكنه كان يسرق شاة كل ليلة ويقدمها للضبع مقابل أن يتركه في موقعه دون أذى، فكان جزاؤه الشنق حتى يكون عبرة للخائنين.
ورغم بساطة القصة، إلا أنها تلخص واقعاً اقتصادياً وسياسياً تعيشه دول كثيرة، حيث لا يكون الخطر الحقيقي دائماً في “الضبع” الخارجي، بل في الحارس الذي خان الأمانة وفتح أبواب الوطن للنهب والاستغلال.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾،
وقال النبي ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
فالوظيفة العامة في جوهرها أمانة ومسؤولية، وليست امتيازاً أو طريقاً للثراء الشخصي، لكن حين تغيب الرقابة، ويضعف الضمير، وتُقدَّم المصالح الخاصة على مصلحة الوطن، تبدأ مؤسسات الدولة في التآكل من الداخل. ويتحول بعض المسؤولين إلى وسطاء بين ثروات البلاد والطامعين فيها، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن الفساد فقراً وغلاءً وحرماناً من الخدمات الأساسية.
إن الاقتصاد لا ينهار فجأة، وإنما يسقط بالتدريج عبر شبكات الفساد الإداري والمالي. تبدأ الأزمة بوظائف تمنح بالمحسوبية، وصفقات تفتقر للشفافية، وإعفاءات تمنح لأصحاب النفوذ، ثم تتطور إلى هروب للاستثمارات، وضعف للإنتاج، وانهيار للعملة الوطنية، حتى تصبح الدولة عاجزة عن تلبية أبسط احتياجات الناس.
وفي السودان حيث تسببت الحرب في إنهاك الاقتصاد وتمزيق البنية المؤسسية، تصبح مكافحة الفساد قضية مصيرية لا تحتمل المجاملة أو التسويف. فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعدالة، والكفاءة، وسيادة القانون، وحماية المال العام من العابثين، كما أن إعادة الثقة بين المواطن والدولة لا يمكن أن تتحقق دون محاسبة حقيقية لكل من استغل منصبه للإضرار بمصالح الناس كل الناس.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول التي نجحت اقتصادياً ليست بالضرورة الأكثر ثروة، وإنما الأكثر نزاهة وانضباطاً واحتراماً للمؤسسات، فالمحاسبة ليست انتقاماً، بل حماية للوطن، والشفافية ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي للاستقرار والتنمية.
في الختام فإن أخطر ما يهدد الأوطان ليس قلة الموارد وإنما خيانة الأمناء وضعف الحراس، فحين يتحول المسؤول من حامٍ للمصلحة العامة إلى شريك في النهب يصبح الوطن كله مهدداً، وتتحول الثروات إلى غنائم، بينما يظل المواطن وحده يدفع ثمن الخيانة.
فتكم بعااافية…نواصل@
