الأخبار

يوم أفريقيا: أسئلة الأجيال الجديدة في الطريق نحو المستقبل

سعد محمد عبدالله

يطل يوم أفريقيا في الخامس والعشرين من مايو من كل عام باعتباره مناسبة تاريخية تستحضر مسيرة الشعوب الإفريقية في مقاومة الإستعمار والسعي نحو بناء مستقبل قائم على الحرية والوحدة والتنمية، ويعود هذا التاريخ إلى العام 1963م حين وقعت إثنتان وثلاثون دولة إفريقية مستقلة على ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، لتبدأ القارة مرحلة جديدة من العمل المشترك من أجل إحداث التحرر السياسي والإقتصادي، وقد شكلت المنظمة آنذاك منصة مهمة لدعم حركات التحرر الوطني في مختلف أنحاء القارة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى الإتحاد الإفريقي بموجب “إعلان سرت” في نهاية التسعينيات، في محاولة شجاعة لتطوير آليات التعاون الإفريقي الإستراتيجي بما ينسجم مع المتغيرات الدولية والإقليمية، ورغم أن القارة نجحت في إنهاء حقبة الإستعمار المباشر، فإن تحديات ما بعد الإستقلال سرعان ما فرضت نفسها على المشهد السياسي، حيث دخلت دول عديدة في دوامة الإنقلابات العسكرية والصراعات الداخلية وحكومات الحزب الواحد، وفي خضم تلك التحولات برزت أصوات وحدوية من قادتها كوامي نكروما، الذي رأى أن الإستقلال السياسي لا يكتمل دون تحقيق الوحدة الإقتصادية بين شعوب القارة الإفريقية، ومع مرور الزمن أدركت الأجيال الجديدة أن معركة التحرر لم تنتهِ بعد، وإنما تغيرت أشكالها وأدواتها، فهي ترتبط عضويًا بقضايا الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وهي قضايا لا تقل أهمية عن معارك التحرير الوطني التي خاضتها الشعوب الإفريقية في القرن الماضي، بل تمثل إمتدادًا لها في ظل عالم سريع التغير ومتعدد التحديات والمصالح الدولية المتشابكة.

على إمتداد العقود الماضية شهدت القارة الإفريقية موجات من الثورات الشعبية وحركات المقاومة التي سعت إلى إسقاط الأنظمة السلطوية وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة من المشاركة والعدالة، وقد تنوعت وسائل التغيير بين النضال السلمي والكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي، بحسب طبيعة الظروف التي عاشتها كل دولة، وفي السودان برزت الحركة الشعبية لتحرير السودان بكل تفرعاتها التي فرضها واقع الإنفصال، باعتبارها من أهم الحركات التي قدمت مشروعًا فكريًا وسياسيًا مختلفًا من خلال طرح رؤية السودان الجديد، التي دعت إلى بناء وطن يقوم على المواطنة المتساوية بعيدًا عن التمييز الديني أو العرقي أو الثقافي، وجاء هذا الطرح نتيجة لفشل المشاريع السياسية التقليدية في معالجة جذور الأزمة الوطنية التي ظلت تتجدد منذ فجر الاستقلال، وقد لخصها الدكتور منصور خالد في كتابه «النخبة السودانية وإدمان الفشل»، ومن هنا بدأت الأجيال الجديدة من السياسيين والإعلاميين والناشطين في إفريقيا تطرح أسئلة أكثر عمقًا حول مستقبل الدولة الوطنية وحدود العلاقة بين السلطة والدين والمجتمع، وكيفية تحقيق التوازن بين الحريات السياسية والتنمية الإقتصادية والإستقرار الأمني؛ كما تصاعد الإهتمام بقضايا التعليم والصحة والتغير المناخي والسلام والتعايش السلمي، إلى جانب المطالبة بتوسيع مشاركة الشباب والنساء في مؤسسات الحكم والإدارة وصناعة القرار؛ إلا أن هذه التطلعات كثيرًا ما تصطدم بعقبات الأنظمة الديكتاتورية التي تسعى إلى إحتكار السلطة والثروة وإعادة إنتاج نفسها عبر أدوات سياسية وإعلامية مختلفة، وفي أحيان كثيرة تلجأ بعض الحكومات إلى تقديم إصلاحات شكلية أو فتح المجال أمام فئات محدودة من الشباب والنساء بشرط الولاء الكامل لمشروعاتها السياسية، الأمر الذي يجعل مسألة التحول الديمقراطي الحقيقي أكثر تعقيدًا في ظل إستمرار الأزمات البنيوية التي تواجهها دول القارة الإفريقية.

إن المستقبل الذي تحلم به الشعوب الإفريقية لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الشعارات السياسية أو الإحتشاد الجماهيري المؤقت، بل يحتاج إلى ثورة معرفية شاملة يقودها جيل جديد من الشباب والنساء يمتلك أدوات العلم والتكنولوجيا والفكر النقدي النوراني، والإبداع الإنساني الخلاق؛ فالقارة الإفريقية تمتلك موارد طبيعية هائلة وإمكانات بشرية ضخمة، لكنها ما تزال تعاني من ضعف البنية التعليمية والبحث العلمي وتراجع الإستثمار في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة والتقنيات الحديثة، ولهذا فإن المعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين أصبحت معركة بناء الإنسان الإفريقي القادر على تحويل الموارد إلى مشاريع تنموية تحقق الإكتفاء والإستقرار والعدالة الإجتماعية، وقد أشار الدكتور جون قرنق دي مبيور في أطروحاته الإقتصادية إلى أهمية توجيه التنمية نحو الأرياف والمدن المريفة ومحاربة الفقر وتحسين أوضاع المزارعين والرعاة باعتبارهم العمود الفقري للإنتاج في المجتمعات الإفريقية؛ كما شدد على ضرورة تحقيق التوازن التنموي بين الريف والمدينة حتى لا تتحول العاصمة إلى مركز للثروة والسلطة بينما تبقى الأطراف غارقة في التهميش والصراعات، وتزداد أهمية هذه الرؤية اليوم مع تصاعد التحديات المرتبطة بالنزوح والحروب الأهلية وتدهور الخدمات الأساسية في عدد من الدول الإفريقية وعلى رأسها السودان وجنوب السودان؛ فهل وُضعت هذه القضايا على طاولة الإجتماع الوزاري الإقليمي المنعقد في دولة أوغندا مؤخرًا بمشاركة مركز إفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها لتعزيز التنسيق والإستجابة لتفشي وباء إيبولا؟ وقبل كل شيء تظل الحقيقة أن الحروب لا تدمر البنية التحتية فحسب، وإنما تدمر أيضًا فرص التعليم والعمل والإنتاج، وتدفع ملايين الشباب إلى الهجرة أو الإنخراط في دوائر العنف واليأس، ولذلك فإن بناء مستقبل إفريقيا يتطلب الإستثمار في المعرفة والبحث العلمي والثقافة والفنون بوصفها أدوات رئيسية لإعادة تشكيل الوعي الإجتماعي وتعزيز قيم السلام والتعاون والإنتاج والإنفتاح على العالم الحديث بصورة متوازنة وعادلة.

رغم الصورة القاتمة التي تفرضها الحروب والأزمات الإقتصادية في بعض أجزاء القارة، فإن إفريقيا ما تزال تمتلك فرصًا حقيقية للنهوض من ركام الضياع إذا أحسنت إستثمار مواردها البشرية والطبيعية بصورة عادلة ومستدامة، وتشير تقارير المؤسسات الإقتصادية الدولية إلى توقعات بتحسن معدلات النمو الإقتصادي في عدد من الدول الإفريقية خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بانخفاض معدلات التضخم وتزايد فرص الإستثمار في مجالات الزراعة والطاقة والتعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا الرقمية؛ غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لن تكون ذات قيمة حقيقية إذا لم تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، خاصة في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأساسية وفرص العمل، ولهذا فإن السؤال الجوهري الذي يواجه الأجيال الجديدة اليوم لا يتعلق فقط بكيفية تحقيق النمو الإقتصادي، بل بكيفية بناء نموذج تنموي إنساني يحقق العدالة الإجتماعية ويحفظ الكرامة الإنسانية ويمنع عودة الإستبداد والحروب، وإذا كانت منظمة الوحدة الإفريقية والإتحاد الإفريقي قد تأسسا من أجل تحرير الشعوب من الإستعمار وتحقيق الوحدة الإفريقية، فإن المرحلة الراهنة تتطلب توسيع مفهوم التحرر ليشمل التحرر من الفقر والجهل والمرض والنزاعات المسلحة والتبعية الإقتصادية؛ كما أن مستقبل القارة لن يُبنى إلا عبر ترسيخ قيم الحرية والمواطنة وسيادة القانون وإحترام التنوع الثقافي والديني والعرقي داخل المجتمعات الإفريقية، ومن هنا يصبح يوم أفريقيا مناسبة للتأمل في أسئلة المستقبل أكثر من كونه مجرد إحتفال رمزي بالتاريخ، لأنه يضع الأجيال الجديدة أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في بناء دولة السلام والحرية والتنمية، وإعادة صياغة الحلم الإفريقي على أسس جديدة تجعل الإنسان الإفريقي محورًا أساسيًا لكل مشاريع النهضة والتغيير في الحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى