أعمدة الرأي

اقتصاد الناس بقلم د.عبدالله عجلون

جلود الأضاحي… ثروة اقتصادية بين نعمة العبادة وخطر التلوث.

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك في كل عام، تتجدد في السودان معاني التكافل والتراحم، والتعبد وإحياء سنة سيدنا الخليل إبراهيم عليه السلام، حيث يحرص الناس على الأضاحي باعتبارها شعيرة دينية عظيمة ومظهراً من مظاهر الفرح والتراحم الاجتماعي، غير أن هذه المناسبة المباركة كثيراً ما تتحول بعد ساعات من الذبح إلى أزمة بيئية واقتصادية بسبب سوء التعامل مع مخلفات الأضاحي، وعلى رأسها الجلود وبقية الأحشاء، ففي أغلب المدن والقرى تتكدس الجلود في الطرقات والأسواق ومواقع الذبح، وتنبعث منها الروائح الكريهة، وتنتشر الحشرات والملوثات، بينما كان يمكن أن تتحول هذه الجلود إلى مورد اقتصادي مهم يدر دخلاً وفرص عمل ويدعم الصناعة الوطنية، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فالسودان الذي يمتلك واحدة من أكبر الثروات الحيوانية في إفريقيا ما زال يهدر مورداً اقتصادياً ضخماً بسبب غياب التنظيم وضعف الوعي وقلة التخطيط،
إن مشكلة الجلود ليست في عدم وجود القيمة، وإنما في ضياعها بعد الذبح بسبب سوء السلخ والحفظ وغياب مراكز التجميع المنظمة، فالجلد إذا مُلِّح خلال ساعات صار مالاً ومنتجاً قابلاً للتصنيع، وإذا تُرك تحت الشمس صار نفاية ومصدراً للتلوث والأمراض والروائح الكريهة.
والأخطر من ذلك أن تراكم مخلفات الأضاحي في الأحياء والمصارف والطرقات يشوه صورة العيد ويؤثر على الصحة العامة والبيئة الذوق العام بل ربما يقتل فرحة العيد، خاصة في ظل ضعف خدمات النظافة والصرف الصحي في كثير من مناطق السودان، ولذلك فإن التعامل مع جلود الأضاحي لم يعد قضية اقتصادية فقط بل أصبح ضرورة بيئية وصحية ووطنية.
ومن المؤسف أن السودان ظل لسنوات يصدر الجلود الخام بأسعار زهيدة، بينما تستفيد دول أخرى من تصنيعها وتحويلها إلى أحذية وحقائب ومحافظ وأثاثات ومنتجات جلدية تدر ملايين الدولارات لايراداتها، وهذا يعكس أزمة الاقتصاد السوداني الذي يهدر موارده الأولية ثم يستورد المنتجات النهائية بأضعاف قيمتها.
وفي الجانب الشرعي فإن الإسلام دعا إلى تعظيم الانتفاع بالمباح ونهى عن إضاعة المال، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم انتفع بجلود الميتة بعد دباغها، في إشارة واضحة إلى أهمية الاستفادة من الموارد وعدم تركها للهدر والفساد، ومن هنا تأتي مسؤولية أئمة المساجد والدعاة و الوعاظ و المرشدين في توعية المواطنين بأن المحافظة على البيئة والاستفادة من الجلود جزء من حسن التدبير وشكر النعمة.
كما يمكن لشباب الأحياء بتبني مبادرات جمع الجلود، بالتنسيق مع المحليات ولجان الخدمات، أن يقودوا حملات منظمة لجمع الجلود وتمليحها ونقلها إلى مراكز التجميع، مما يساهم في تقليل التلوث وخلق فرص عمل موسمية للشباب.
أما الحكومة فهي مطالبة بوضع خطة قومية متكاملة تشمل:
– تخصيص مواقع نظيفة ومنظمة للذبح.
– إنشاء مراكز لجمع وتمليح الجلود.
– تدريب الجزارين على طرق السلخ الصحيحة.
– دعم الصناعات الجلدية الصغيرة والمتوسطة.
– تشجيع الاستثمار الوطني في تصنيع الجلود بدلاً من تصدير الخام.
– إطلاق حملات توعية بيئية وإعلامية قبل العيد.
إن عيد الأضحى ليس مناسبة للعبادة فقط بل فرصة لترسيخ قيم النظافة وحسن استغلال الموارد، وإذا أحسن السودان إدارة جلود الأضاحي، فقد تتحول مخلفات العيد من مصدر للتلوث إلى بداية حقيقية لصناعة وطنية واعدة تدعم الاقتصاد وتحافظ على البيئة في آن واحد.

فتكم بعااافية… نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى