كلمات سحر علي تكتب…

قبور للبيع.. عندما يصبح الموت سلعة
في مشهد لم يألفه السودانيون من قبل، بدأت تطل علينا ظاهرة غريبة في مجتمعنا «قبر للبيع في مقابر البكري»، «فرصة لاتعوض لشراء قبر باحمد شرفي بمساحة مميزة». ظاهرة بيع القبور التي كانت غريبة عن وجدان المجتمع السوداني باتت واقعاً مريراً يعكس أزمة أعمق من مجرد تحول مكان للدفن إلى سلعة.
لطالما كانت المقابر «وقوفاً لله»، حقاً عاماً لا يباع ولا يشترى، يتسع للأحياء بعد أن يموتوا دون تمييز بين غني وفقير. هذا الموروث الجميل القائم على التكافل وإعلاء قيمة الآخرة على الدنيا يتراجع الآن أمام موجة جشع غير مسبوقة.
ما الذي تغير؟ الأزمة الاقتصادية الخانقة فتحت شهية البعض لجعل كل شيء قابلاً للبيع، حتى القبور. والفوضى العمرانية وغياب الرقابة على أراضي المقابر أوصلتنا إلى هنا. أصبحت المقابر «استثماراً»
وهنا يبرز سؤال أخلاقي شائك: هل نسمح بتحويل آخر ما تبقى من مشاعات المجتمع إلى سلعة يتاجر بها السماسرة؟ وماذا عن وصية النبي ﷺ: «لا غلبة في الموات» التي جعلت حق الانتفاع بالأرض المواتة للجميع؟
لا يختلف اثنان على أن تنظيم المقابر ضرورة، ووضع ضوابط للدفن أمر مطلوب، لكن تحويلها إلى أسواق مفتوحة يهدد النسيج الاجتماعي. الأزمة ليست في نقص المساحات فقط، بل في غياب الوعي المجتمعي والحوكمة الرشيدة.
حان الوقت لأن تتدخل الحكومة بشدة لوضع تشريعات واضحة تجرم الاتجار بالمقابر، ولنقف جميعاً كمجتمع أمام هذه الظاهرة البغيضة. فالمقابر أمانة في أعناقنا قبل أن تكون أماكن للراحة الأبدية، وليست عقارات تدر أرباحاً لمن يستغل حاجة الناس.

