أعمدة الرأي

شئ للوطن


م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

المسرح المدرسي: ضرورة ملحة لمستقبل السودان ومؤسساته التعليمية

شاركت مؤخرًا في مؤتمر “نحو سياسة وطنية لتطوير المسرح المدرسي” الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وهو حدث مهم يهدف إلى إعادة إحياء دور المسرح في العملية التعليمية. لقد كان المؤتمر منصة ثرية لتبادل الأفكار والخبرات بين الخبراء والأكاديميين، وشهدت الجلسات نقاشات عميقة حول قضايا المسرح المدرسي، ودوره في تنمية شخصية الطالب وصقل مواهبه، وربطه بالهوية الثقافية والمناهج الدراسية.
كانت مشاركتي في هذا المؤتمر بمثابة دعوة ملحة للتفكير في واقعنا في السودان، وفي ضرورة أن نتبنى هذه الرؤى ونطبقها في مدارسنا. ففي خضم مرحلة التعافي وإعادة الإعمار التي يمر بها السودان، يصبح المسرح المدرسي أداة حيوية ليس فقط للتعليم، بل أيضًا لبناء الإنسان وتشكيل وعيه ووجدانه.
المسرح المدرسي ليس مجرد نشاط ترفيهي أو حصة إضافية لملء وقت الفراغ، بل هو أداة تربوية متكاملة تساهم في تحقيق أهداف متعددة. لقد أكد المشاركون في المؤتمر على هذا الدور المحوري، ومنهم الدكتور عاطف نوار الذي تحدث عن المسرح التفاعلي كإطار علاجي للمشكلات التي تواجه المسرح المدرسي، وعن قدرته على دمج التعليم بالترفيه وتعزيز مهارات التواصل والابتكار لدى الطلاب.
أما الدكتور إبراهيم عبد العليم حنفي، أشار إلى دور المسرح في تشكيل شخصية الطفل من الناحية الثقافية، وكيف أنه يعزز الخيال ويدعم المشاركة. هذا الدور يصبح أكثر أهمية في ظل التحديات التي تواجه التعليم اليوم، حيث يمكن للمسرح أن يكسر حاجز الملل، ويجعل عملية التعلم أكثر جاذبية ومتعة. يمكن للمسرح أن يعلمنا دروسًا في الصبر، والتعاون، والعمل الجماعي، وهي قيم أساسية لبناء أي مجتمع.
بعد سنوات من الصراعات، يمر السودان حاليًا بمرحلة حرجة تتطلب تضافر الجهود لإعادة بناء ما دمرته الحروب، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل أيضًا على مستوى الإنسان. هنا يأتي دور المسرح المدرسي كأداة قوية لإعادة بناء الروح السودانية.
تنمية المهارات الحياتية، فيمكن للمسرح أن يساهم في غرس قيم التسامح، والقبول بالآخر، والتعاون، وروح الفريق لدى الأجيال الجديدة. فمن خلال المشاركة في العروض المسرحية، يتعلم الطلاب كيفية التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، وكيفية حل النزاعات بطرق سلمية.
اكتشاف المواهب كما أشار الفنان عزت زين، فإن المسرح المدرسي يلعب دورًا فاعلًا في كشف المواهب المبكرة. فكم من فنانين ومبدعين انطلقت مسيرتهم من خشبة مسرح المدرسة! في ظل الظروف الحالية، من الضروري أن نوفر لأبنائنا مساحات آمنة للتعبير عن أنفسهم واكتشاف مواهبهم، وهذا ما يوفره المسرح.
بناء الهوية الثقافية فيمكن للمسرح المدرسي أن يكون وسيلة فعالة لربط الأجيال الجديدة بتراثهم وثقافتهم السودانية الغنية. فمن خلال مسرحة القصص الشعبية، والأغاني التراثية، والأحداث التاريخية، يمكن للطلاب أن يعتزون بهويتهم ويفتخروا بتاريخهم.
في خضم التحديات التي تواجهها الأسر السودانية المقيمة في مصر، تبرز أهمية المؤسسات التعليمية التي تدرس المنهج السوداني، مثل مدرسة الصداقة السودانية. هذه المدارس ليست مجرد أماكن للتعليم، بل هي أيضًا مساحات للحفاظ على الهوية السودانية ورعايتها.
أدعو القائمين على مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة وكل المؤسسات التعليمية السودانية في مصر إلى تبني خطط عملية لتفعيل المسرح المدرسي. يجب أن يكون المسرح جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، وليس نشاطًا هامشيًا. يمكن تحقيق ذلك من خلال تخصيص ميزانية ولو بسيطة للأنشطة المسرحية وتدريب المعلمين على كيفية توظيف المسرح في المناهج الدراسية، وكيفية توجيه الطلاب وإعداد النصوص المسرحية المناسبة، مع توفير مساحة مخصصة للنشاط المسرحي، سواء كانت قاعة صغيرة أو حتى حجرة داخل المدرسة، بجانب تنظيم ورش عمل وندوات تعريفية لأولياء الأمور لتوعيتهم بأهمية المسرح ودوره في تنمية شخصية أبنائهم، وإقامة مسابقات مسرحية بين المدارس السودانية في مصر، مما يخلق روحًا من التنافس الإيجابي ويعزز التواصل بين الطلاب.
إن الاستثمار في المسرح المدرسي هو استثمار في مستقبل السودان. إنه بناء للإنسان الذي سيقود مرحلة التعافي، وسيحمل على عاتقه مسؤولية إعادة إعمار الوطن. لنبدأ من هنا، من مدارسنا، من القاهرة التي احتضنتنا، لنزرع في أطفالنا بذور الإبداع والأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى