نبض المجتمع

طه هارون حامد … يكتب
خطورة خطاب الكراهية علي المجتمع
يشكّل خطاب الكراهية اليوم أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، ليس فقط لأنه يعبّر عن مشاعر سلبية تجاه الآخر، بل لأنه يُغذّي دائرة أوسع من العنف الرمزي والمادي، ويقوّض أي إمكانية لبناء مجتمع قائم على الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك. فالتعايش لا يولد تلقائيًا، بل هو نتيجة بيئة اجتماعية تتبنّى قيم الانفتاح وتُحارب كل أشكال التهميش والتحيز. وعندما يغيب هذا الوعي، يصبح خطاب الكراهية بذرة تنمو في تربة خصبة من الجهل والخوف وسوء الفهم.
يبدأ الخطر من التعصّب والتحيّز فهما غالبًا لا ينشآن من فراغ، بل من تراكم تصوّرات خاطئة أو موروثة عن الآخر، سواء كان مختلفًا في الدين أو العرق أو الفكر أو الخلفية الاجتماعية. هذه التصوّرات تتحوّل مع الوقت إلى أحكام مسبقة، تُقصي المختلف، وتضع عليه صفات سلبية تُعطي المبرّر النفسي لمعاداته. ومع غياب الحوار، تصبح هذه الصور الذهنية أشبه بجدران صلبة تفصل بين أبناء المجتمع الواحد.
أما لظلم والتهميش فهما بيئتان مثاليتان لنمو خطاب الكراهية. فالفئات التي تُقصى اجتماعيًا أو اقتصاديًا تجد نفسها في حالة احتقان دائم، وتبحث عن من تُحمّله مسؤولية أوضاعها. وفي المقابل، تنظر الفئات المهيمنة إلى المهمَّشين على أنهم تهديد أو عبء. وبين الطرفين يتّسع الشرخ، ويُبنى خطاب الكراهية على قاعدة من الامتعاض المتبادل، حيث يُستَخدم الاختلاف ذريعة لتبرير الظلم أو لاستدامة التمييز.
ولا يقلّ لجهل بالآخر والخوف منه أهمية في تغذية هذا الخطاب؛ فالبشر بطبيعتهم يخشون ما لا يعرفونه. ومع غياب فرص التفاعل الحقيقي بين الفئات المختلفة، يَملأ الفراغَ عددٌ من الصور النمطية المشوّهة التي تُنقل عبر الشائعات أو الإعلام غير المسؤول. وهكذا يظهر خوف غير مبرّر يصل أحيانًا إلى حدّ العداء، رغم أن أساسه مجرد عدم معرفة.
وتأتي سوء الفهم وغياب الحوار المشترك** لتُفاقم المشكلة. فغياب المنصّات التي تسمح بالتواصل الإنساني يجعل كل فئة تعيش في فقاعتها الخاصة، تتغذّى على رواياتها الذاتية دون اختبارها. وعندما لا يتحاور الناس، يظل الآخر مجهولًا، ويظل الخلاف مرشّحًا لأن يتحوّل إلى صراع. فالحوار ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمع صحي يتشارك رؤيته المستقبلية ويملك القدرة على حلّ خلافاته دون عنف.
في المقابل، لا يمكن مواجهة خطاب الكراهية إلا من خلال **الاستثمار في قيم التعايش* وهذا الاستثمار ليس معنويًا فقط، بل هو مشروع اجتماعي وثقافي وتربوي يتطلّب جهودًا مؤسساتية وأفرادًا يؤمنون بضرورة التغيير. يبدأ هذا الاستثمار من المدرسة، حيث تُغرس قيم احترام التنوع وفهم الآخر. ويستمر في الإعلام، الذي يجب أن يتحمّل مسؤولية تقديم محتوى يعزز التسامح بدلاً من إعادة إنتاج الصراعات. كما يشمل السياسات العامة التي تقوم على العدالة الاجتماعية ورفع التهميش وإشراك الجميع في صنع القرار.
إن البيئة الخصبة للتعايش ليست شعارًا، بل منظومة متكاملة، أساسها الاعتراف بإنسانية الآخر، وتعزيز ثقافة الحوار، وتوفير فرص متكافئة للجميع. وحين يصبح التعايش قيمة مشتركة، يضمحل خطاب الكراهية تدريجيًا؛ لأنه يفقد أرضيته، ويصطدم بمجتمع واعٍ لا يقبل بالتمييز ولا يسمح للمغالطات بأن تتحوّل إلى مقدسات.
وفي النهاية،
فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست مهمة فئة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلّب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وجرأة في خلق جسور بين المختلفين. وكلما توسعت مساحات الفهم والاحترام، ضاقت مساحات العنف والتعصب، واقتربت المجتمعات أكثر من تحقيق حلمها في العيش المشترك بسلام وعدالة وإنسانية.


