أرواح محطمة: شهادات حية تفضح أبشع انتهاكات الدعم السريع”
تحقيق : فدوى خزرجي كوشى نيوز
* عضو حملة الكشف عن المعتقلين والمخفيين قسرياً : تم رصد حوالي 1100 حالة إخفاء
في قلب المعاناة السودانية، يعيش المئات من الأشخاص المختفين قسريًا في معتقلات قوات الدعم السريع واقعًا مريرًا لا يمكن وصفه بالكلمات. هؤلاء المعتقلون، الذين يُحرمون من أبسط حقوقهم الإنسانية، يقبعون في ظروف تفوق كل حدود التصور، حيث يُحرمون من الرعاية الصحية، وتتهدد حياتهم بسبب التعذيب المستمر، الذي أصبح جزءًا من روتينهم اليومي. لكن الفاجعة لا تتوقف هنا، فبجانب التعذيب الجسدي، تُرتكب جرائم العنف الجنسي بشكل منهجي في أماكن الاحتجاز، حيث يتم استهداف المعتقلين من الجنسين دون رحمة أو رادع. وسط هذا الجحيم، يعيش هؤلاء الأشخاص في أماكن تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية: الرطوبة التي تغمر الأجساد، التلوث الذي ينخر في الأمعاء، وانعدام أبسط سبل الراحة. هذا التحقيق الصحفي يكشف النقاب عن سلسلة من الانتهاكات الفادحة التي تحدث في الخفاء، في محاولة لإيصال صوت أولئك الذين لم تعد لهم أي فرصة للهروب من دائرة العذاب، ووفقاً للمعلومات التي تحصل عليها موقع (كوشي نيوز) من معتقلين سابقين، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم حفاظاً على سلامتهم، تؤكد أن هذه الانتهاكات تحدث في ظروف قاسية لا تُحتمل.
تهديد بالاغتصاب :
في شهادة مؤلمة ودامية و تهديدات متواصلة وأبشع أنواع الإهانة كانت محطته الوحيدة في ذلك المكان، روى أحد المعتقلين الذين تم اعتقالهم في منطقة الصحافة تفاصيل مرعبة عن ما تعرض له في مركز الاعتقال. وقال المعتقل، وهو يروي قصته بعيون تملؤها الحزن والخذلان، إنه فور وصوله إلى المركز تم تجريده من ملابسه بالكامل، في مشهد مهين زلزل كيانه. لم يكن هذا الإجراء هو الوحيد الذي تعرض له، بل إن المعاناة تفاقمت مع تهديدات بالاغتصاب على يد أفراد ينتمون لقوات الدعم السريع.
وأضاف: كانت تلك اللحظات كفيلة بتدمير كل معنى للكرامة الإنسانية، إذ وجد المعتقل نفسه عارياً أمام وحشية لا يعرفها سوى من عايشها. .
اعتداءات جنسية :
تظل هذه الشهادة الصادمة مشهد يعكس أبشع صور الانتهاك وغياب الإنسانية و لحظات بمثابة كابوس لا تمحى من الذاكرة، ودعوة مستمرة لتسليط الضوء على ما يعيشه النساء والفتيات في معتقلات لا رحمة فيها، وهي صرخة تأبى السكوت أمام كل من يشارك في نشر الظلم على حساب الإنسانية. حيث كان الاعتداء الجنسي والإذلال هما سيدي الموقف، مما يعكس مدى الوحشية التي يعاني منها المعتقلون في ظروف غاية في القسوة. وفقا لشهادة مؤلمة ومروعة، أفادها معتقل آخر كان من بين أسرى قوات الدعم السريع في مباني هيئة العمليات بالرياض عن حادثة تدمى القلوب. أكد المعتقل أن امرأة وفتاة تعرضتا للاعتداء الجنسي عدة مرات داخل المعتقل.
عذاب نفسي وجسدي:
في السابع من يوليو 2023، وبينما كان الشاب في مقتبل العمر يسير في أحد شوارع المربعات الفتيحاب، كانت العتمة تخيم على حياته دون أن يعلم أن لحظة سيئة كانت تلوح في الأفق. في ذلك اليوم، داهمته عناصر تابعة لجهاز الاستخبارات في قوات الدعم السريع، لتقتاده قسراً إلى قسم الشرطة. كانت التهمة الوحيدة التي حملها على عاتقه، هي أن شقيقه أحد عناصر القوات الخاصة في الجيش.
يصف الشاب الذي اختُطف بتلك الطريقة القاسية، ما حدث له بعد لحظات من اعتقاله قائلاً: “قيدوني من يدي وقدامي، ثم قاموا بربطي وتعليقي في وضعٍ مهين، بينما بدأوا في الاعتداء علي بالضرب. كانوا يصرخون في وجهي: أين أخوك؟”. تكرر السؤال مراراً وتكراراً، “أين أخوك؟”، وكان يجيب بصوتٍ خافت متألم: “استشهد”. ولكنهم لم يرحموا ضعفه، بل ظلوا يستنكرون إجابته حتى كاد ينهار.، وزاد : استمرت المعاناة، ولكن كان هناك بصيص من الأمل حين تدخل أحد الضباط وقال لهم: “هو يقول لكم إن شقيقه استشهد، فماذا تريدون منه؟”. كانت هذه الكلمات هي من أنقذته، ليتم أخيراً إطلاق سراحه بعد فترة من العذاب النفسي والجسدي.
يقول الشاب بحزنٍ عميق، وكأن الألم لا يزال يرافقني في كل خطوة. ورغم أن الجدران قد تركتني حراً، إلا أن قلبي بقي أسيراً لتلك اللحظات القاسية التي لا تفارق ذاكرتي “أطلقوا سراحي، ولكنني كنت في أسوأ حالاتي، لم يكن الجسد هو المتألم فقط، بل الروح أيضاً”.
ضحايا الاتهامات :
في سرد معتقل سابق هو شاب في مقتبل العمر لدي الدعم السريع لقصته، يقول في ظل الظروف الراهنة، يشهد الكثير من المدنيين، وخاصة الشباب، أوضاعًا صعبة تشبه تجربتي الشخصية في المعتقل، حيث يجدون أنفسهم ضحايا لاتهامات التخابر والتعاون مع قوات الدعم السريع. هؤلاء الشباب لم يختاروا هذا المسار، بل كانوا مجبرين على الفرار من القصف والتهديدات، وعندما يحاولون النجاة بحياتهم، يواجهون تهمًا من قبل الاستخبارات العسكرية، مما يفاقم معاناتهم. القصة ليست فريدة أو استثنائية، بل هي واقع يعيشه العديد من الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم في مكانٍ لم يختاروه، إلا أن كل ما يسعون إليه هو البقاء على قيد الحياة في هذا الوضع المساوي،
مضيفاً في سرد تفاصيل قصته : كنت اسير في إحدى شوارع مدينة بحري بالخرطوم، كعادتي دون أن اعلم أن لحظات قليلة ستقلب حياتي رأسًا على عقب. حين داهمتني قوات الدعم السريع، كانت البداية قاسية ودموية؛ حيث قاموا بضربي بشكل عنيف في الشارع أمام الجميع، دون أي اعتبار لكرامتي أو حقوقي، . كانت نظرات المارة تعبر عن الصمت والعجز، بينما كنت ائن من الألم وسط الضرب المبرح.
وتابع : ثم تم اقتيادتي إلى أحد معتقلات قوات الدعم السريع، حيث عشت أسوأ أيام حياتي. ثلاثة أشهر مرّت علي اعاني فيها من التعذيب الجسدي والنفسي، دون أن اعرف إن كان سخرج من هناك حيًا أم لا. ومع مرور الوقت، زادت محنتي، حيث تم تصويري بعد أن أُجبرت على الوقوف أمام الكاميرا لتلقي تهديدات صريحة: “إذا حاولت الهروب، سننشر صورك على وسائل التواصل الاجتماعي وندعي أنك تابع لنا”، في محاولة لهم لفرض المزيد من الخوف علي، لكن وجدت بعد فترة فرصة نادرة للهروب. على الرغم من التهديدات التي كانت تلاحقتي، قررت أن افر إلى إحدى الدول المجاورة، هاربًا من جحيم المعتقلات، حالمًا بحياة جديدة بعيدًا عن يد قوات الدعم السريع.
تهمة تخابر :
في شهادة مؤلمة ومؤثرة، روى معتقل سابق لدى قوات الدعم السريع تفاصيل مريرة عن تجربته القاسية في الاعتقال. قال إنه تم القبض عليه في شوارع الفتيحاب بتهمة انه يتبع الاستخبارات الجيش (التخابر) ، دون أن يعرف ما إذا كانت هذه التهمة حقيقية أم مجرد ادعاء. وتم اقتياده إلى إحدى أقسام الشرطة، حيث عُرض للضرب المبرح والتعذيب الوحشي. وعبر عن معاناته أثناء التحقيقات، مؤكداً أنهم لم يترددوا في إطلاق الرصاص على قدمه، مما تركه يئن من الألم لأيام طويلة.
وذكر بأن مع مرور الوقت، وبعد يومين من التعذيب، فاجأه قرار مفاجئ من قوات الدعم السريع بالإفراج عنه، لكنه لم يكن يعلم حتى الآن السبب وراء هذا القرار الغريب. فماذا تغير في تلك الفترة؟ لماذا تم الإفراج عنه بينما لا يزال الآلاف من الأبرياء يرزحون تحت قسوة التعذيب؟
وأكد المعتقل السابق على أن عددًا كبيرًا من المدنيين لا يزالون في قبضتهم، ويتعرضون لأبشع أنواع العنف والتعذيب. لقد أصبحوا ضحايا لمجموعات مسلحة لا ترحم، ويعيشون في خوف مستمر من المجهول. هؤلاء المدنيون، الذين لم يرتكبوا أي جرم سوى أنهم تواجدوا في المكان الخطأ، يعانون يومياً من أساليب تعذيب لا إنسانية تتجاوز كل الحدود.
إصابة بشلل رباعي :
في قصة مليئة بالآلام والمعاناة، تروي شقيقة إحدى المعتقلين السابقين الذي كان ضحية لاعتداءات قوات الدعم السريع على يد أفرادها، لحظات مؤلمة تعرض فيها لضرب مبرح أدى إلى إصابته بالشلل، مشيره إلى أنه كان يعمل عسكري سابق، وقالت : كانت البداية عندما تم اعتقاله دون سابق إنذار، ليقتادوه إلى جهة مجهولة. هناك، تعرض لأبشع أنواع التعذيب على يد عناصر من قوات الدعم السريع، حيث انهالوا عليه بالضرب بشكل وحشي وممنهج، ليغرق في آلام جسدية ونفسية لم يتوقع أن تصل إلى هذا الحد.، وأضافت بعد أيام من البحث، عثرنا عليه في حالة يرثى لها، ملقى على الأرض في الشارع، فاقدًا للوعي ومرتكبة جريمة العنف بحق إنسانيته. تم نقله بسرعة إلى المستشفى في محاولة لإنقاذ حياته، لكن ابلغنا الطبيب بأن الضرب أدى إلى إصابته بشلل رباعي.
صرخات استغاثة :
في قصة تدمى القلوب، يروي رجل في الستين من عمره معاناته في أحد المعتقلات التي تحولت إلى جحيم لا يطاق في غرف مُظلمة بمباني الإذاعة في أم درمان، قضى الرجل ثلاثَة أشهرٍ مريرة أسيرًا في قبضة قوات الدعم السريع، في ظل ظروف قاسية تفوق الخيال. لم يكن لديه سوى أمل ضعيف بالنجاة من هذا الجحيم الذي كان يعيشه يوميًا. يروي الرجل بحزنٍ عميق عن تلك الأيام، قائلاً: “لم يكن لي من مأوى سوى تلك حوائط الغرف الباردة التي لا تعرف الرحمة، تعرضت خلالها لأبشع أنواع التعذيب، من ضرب مبرح، وحرمان من الطعام والعلاج”.
وكشف الرجل عن وجود ما يقرب من ألف معتقل، بينهم نساء، شباب، وكبار السن، يعانون تحت وطأة القسوة. وقال بصوت متهدج: “من المؤلم أننا كنا نسمع يوميًا صرخات النساء اللاتي يتعرضن للاعتداء الجنسي، ولم يكن بوسعنا فعل شيء”. لم تكن هذه الأصوات سوى صرخات استغاثة تذوب في جدران المعتقل، تكشف عن وحشية الظروف التي مر بها هؤلاء الأبرياء. وبينما كانت الأرواح تنهار، كانت الأجساد تكافح للبقاء على قيد الحياة في ظل هذا العذاب اليومي.
وأردف : خلال تلك الفترة القاسية، عانيت من آلامٍ لا توصف، بينما كانت قوات الدعم السريع تمنع منا الحصول على أبسط حقوقنا الإنسانية. “كان الألم ينهش جسدي، والحرمان يقتل روحي. لم أكن سوى جسد محطم، لا أمل لي في الخروج من هذا العذاب”، يضيف الرجل، الذي فقد القدرة على التفكير سوى في البقاء على قيد الحياة، ثم جاء الحصار الذي فرضه الجيش على مباني الإذاعة، لنشهد لحظةً من التغيير في مصيرنا، ولكن لم يكن الفرج في الأفق بعد. مع انسحاب قوات الدعم السريع، كانت تلك القوات تتخذ المعتقلين كدروع بشرية أثناء انسحابها. “هربوا منا، لكنهم أخذونا معهم كأدوات للنجاة. كنت في حالة صحية مأساوية، ومشيت على أقدامي المتهالكة وسط هذا الظرف القاسي”.
وفي طريقهم إلى مدينة بارا بولاية شمال كردفان، وبعدما سدت أمامي جميع أبواب الأمل، استطعت الهروب من قبضة قوات الدعم السريع، و في حالة صحية يرثى لها، اقتات على الآلام والجراح. “هربت بأعجوبة، ولكني لا أعرف إن كنت قد أفلتت منهم للأبد أم أنني سأظل أعيش هذا الكابوس”.
تُرتكب بشكل ممنهج:
في الوقت الذي يعد فيه الاختفاء القسري للمدنيين في وقت النزاعات المسلحة يعد انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. القوانين الدولية مثل اتفاقيات جنيف، والعهد الدولي، والاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، والمبادئ الأساسية للمحكمة الجنائية الدولية، جميعها تشدد على ضرورة حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي هذه الجريمة. أكد المحامي محمد صلاح بناوي عضو مبادرة حملة” حرية وعودة للكشف عن المعتقلين والمختفين قسريا”، في السودان، أن الجريمة تُرتكب بشكل ممنهج، وغالبًا على أيدي جهات سيادية مثل قوات الدعم السريع واستخبارات الجيش وميليشيات مرتبطة بالنظام السابق. وأوضح أن الإختفاء القسري يبدأ عادة بالاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، ويترافق مع انتهاكات إضافية مثل التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، مما يجعلها جريمة مركبة ومعقدة.
وأشار بناوي إلى أن حملة توثيق حالات اختفاء النساء قسريًا تواجه تحديات كبيرة تعقد عملية الرصد وتحد من دقة البيانات، رغم الجهود المبذولة لتوثيق الحالات وتقديم الدعم. وبرر ذلك بالطبيعة المعقدة لهذه الجريمة التي قد تتضمن انتهاكات إضافية مثل التحرش أو الاغتصاب، وهو ما يدفع العديد من الأسر إلى الصمت خوفًا من الوصمة الاجتماعية.
وأوضح أن جهود التوثيق تواجه صعوبات عديدة، منها الانقطاع المتكرر للإنترنت، ومخاوف الأسر من الانتقام أو التهديدات، بالإضافة إلى قلقها من تعرض المحتجزين للتعذيب أو القتل في حال الكشف عن المعلومات. ومع ذلك، يواصل المركز تقديم الدعم للأسر لمساعدتها في فتح بلاغات رسمية وضمان حقوقها، وكشف بناوي أن الحملة وثقت حتى الآن 118 حالة اختفاء قسري، تشمل 102 من الذكور و10 من الإناث، من أصل 1100 حالة تم رصدها. وأضاف أن أعمار الضحايا تتفاوت بين كبار السن والشباب، مع تسجيل الشباب النسبة الأكبر من المختفين. وفي ختام تصريحه، أكد أن هذه الجريمة لا تُعد انتهاكًا فرديًا فحسب، بل هي كارثة إنسانية ذات أبعاد عميقة تتطلب تضافر كافة الجهود لمواجهتها وضمان محاسبة المسؤولين عنها.



