أعمدة الرأي

إقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

 

إيصالي بين الطموح والتطبيق: هل اكتمل إصلاح المالية العامة؟

يمثل الدفع الإلكتروني ركيزة أساسية في بناء إقتصاد حديث قائم على السرعة والشفافية والكفاءة، إذ يسهم في تقليل الإعتماد على النقد، وتعزيز الشمول المالي، وضبط الإيرادات، إضافة إلى الحد من الفساد وتحسين جودة الخدمات، بما يدعم إستقرار النظام المالي ويواكب التحول الرقمي العالمي، وفي ظل التحديات الاقتصادية المعقدة التي يمر بها السودان، يبرز إعلان وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي حول إستمرار إصلاح المالية العامة وفق خارطة طريق متكاملة كخطوة تحمل في طياتها كثيراً من الأمل … وكثيراً من الأسئلة أيضاً، فمنذ الربع الأخير من العام 2021م، وضعت الوزارة أسساً لإصلاح مالي تدريجي، يستند إلى التحول الرقمي، وتعزيز الشفافية، وبسط ولاية الدولة على المال العام. غير أن نجاح أي إصلاح لا يُقاس بالنصوص والتصريحات، بل بمدى إنعكاسه الفعلي على أرض الواقع ممارسة.
يمثل نظام التحصيل والسداد الإلكتروني “إيصالي” حجر الزاوية في هذا المشروع الإصلاحي، حيث يُفترض أن ينهي حقبة التعامل النقدي في المعاملات الحكومية ذات المخاطر العالية، ويؤسس لبيئة مالية حديثة تقوم على الكفاءة والحوكمة، وبالفعل فإن ربط النظام بعدد كبير من البنوك والمصارف، وتكامله مع أنظمة حيوية مثل الجمارك والتعليم العالي والسجل المدني، يعكس جهداً مؤسسياً كبيراً يستحق التقدير، كما أن تمويل المشروع محلياً، دون الإعتماد على دعم خارجي، يمنحه بعداً سيادياً مهماً في ظل تعقيدات المشهد الدولي الان و لاحقاً.
لكن وعلى الرغم من هذا التقدم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تصميم الأنظمة، بل في فرض الإلتزام بها.
إذ تشير الوقائع إلى أن بعض المؤسسات الحكومية ما تزال تعتمد على التحصيل النقدي، في مخالفة صريحة لقرارات مجلس الوزراء، ومن أبرز هذه الجهات شرطة المرور(الترخيص) وبعض المستشفيات الحكومية (مستشفي محمد الأمين حامد للأطفال)، حيث يستمر التعامل بالكاش، بما يحمله ذلك من مخاطر الفساد، وضعف الرقابة، وتسرب الإيرادات.
هذا التناقض بين المركز والأطراف يطرح تساؤلات جوهرية: هل المشكلة في ضعف البنية التحتية التقنية؟ أم في مقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات؟ أم في غياب الرقابة الصارمة والمساءلة؟ فالإصلاح المالي لا يمكن أن ينجح بمنهج “الانتقائية”، حيث تلتزم جهة وتتخلف أخرى، لأن ذلك يخلق بيئة مزدوجة تُضعف الثقة في النظام ككل.
من الناحية الاقتصادية، فإن التحول إلى الدفع الإلكتروني ليس مجرد خيار تقني، بل هو أداة أساسية لضبط المالية العامة. فكل معاملة إلكترونية تعني أثراً قابلاً للتتبع، وكل إيراد يدخل النظام يعزز من قدرة الدولة على التخطيط المالي السليم. كما أن تقليل التعامل النقدي يسهم في الحد من الإقتصاد الموازي، الذي ظل لسنوات يستنزف موارد الدولة خارج القنوات الرسمية، ومع ذلك فإن نجاح “إيصالي” يتطلب أكثر من مجرد بنية تقنية متقدمة، فهو يحتاج إلى إرادة سياسية حاسمة، وآليات رقابة فعالة، وحملات توعية للمواطنين، إلى جانب تدريب مستمر للكوادر الحكومية، كما أن ربط النظام بخدمات تمس حياة الناس اليومية – مثل الصحة والتعليم و المرور – يجب أن يكون أولوية لأن هذه القطاعات تمثل نقاط الإحتكاك المباشر بين المواطن والدولة.
من جانب آخر لا يمكن إغفال أهمية الثقة في النظام المصرفي، والتي تُعد شرطاً أساسياً لنجاح أي تحول رقمي، فالمواطن لن يتخلى عن النقد ما لم يطمئن إلى أن معاملاته الإلكترونية آمنة، وسريعة، وخالية من التعقيدات التقنية.
وهنا يبرز دور بنك السودان المركزي في تعزيز الإستقرار المصرفي، وضمان كفاءة البنية التحتية المالية.
إن ما تحقق حتى الآن في مسار إصلاح المالية العامة يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل مشروعاً غير مكتمل ما لم تُعالج مواطن الخلل بجرأة و شفافية، فإستمرار بعض الجهات في التحصيل النقدي لا يُضعف فقط من فعالية النظام بل يبعث برسالة سلبية مفادها أن الإلتزام بالإصلاح إختياري وليس إلزامياً.
في الختام إصلاح المالية العامة في السودان ليس ترفاً بل ضرورة وطنية لا تحتمل التراخي والتساهل، ونظام “إيصالي” يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد لكن هذه الفرصة قد تضيع إذا لم تتحول القرارات إلى التزام شامل، يطال كل مؤسسة وكل معاملة، فالإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يصبح النظام هو القاعدة، والإستثناء هو المخالفة لا العكس.

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى