إقتصاد الناس* بقلم: د. عبدالله عجلون

*هل تكفي وفرة البواخر لضبط أسعار الوقود في ظل فوضى الدولار؟*
في مشهد يبدو مطمئناً ظاهرياً تعلن وزارة الطاقة عن تكدس أكثر من عشرين باخرة محملة بالمشتقات البترولية قبالة ميناء بورتسودان، في إنتظار التفريغ. صورة تعكس وفرة في الإمداد لكنها في الواقع تطرح سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كانت الإمدادات متوفرة بهذا الحجم، فلماذا لا تنعكس هذه الوفرة إستقراراً في الأسعار داخل السوق المحلي؟
الإجابة تكمن في الفجوة بين “وفرة الكميات” و”اختلال آليات التسعير”. فوزارة الطاقة، بحسب إعلانها، خرجت منذ عام 2021 من تحديد أسعار الوقود، في إطار سياسة التحرير الإقتصادي، وأصبحت تلعب دوراً رقابياً وفنياً فقط، لكن هذا التحول رغم وجاهته النظرية، أفرز واقعاً معقداً، حيث تُرك التسعير لقوى السوق في بيئة غير مكتملة الشروط، يغلب عليها شح النقد الأجنبي، وضعف المنافسة، وهيمنة السوق الموازي.
من الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي تزايد المعروض – كما هو الحال مع هذا العدد الكبير من البواخر – إلى إنخفاض الأسعار أو على الأقل إستقرارها، غير أن ما يحدث فعلياً هو العكس لأن المحدد الحقيقي للسعر ليس وفرة الوقود بل تكلفة الحصول على الدولار.
وهنا تتجلى الإشكالية الأساسية: السوق المحلي للمحروقات أصبح رهينة مباشرة لسوق العملات الموازية والسماسرة.
فعندما يستورد القطاع الخاص الوقود فإنه يعتمد في الغالب على الدولار من السوق الموازي، لا من القنوات الرسمية وبالتالي فإن أي ارتفاع في سعر الصرف ينعكس فوراً على تكلفة الاستيراد، بغض النظر عن حجم الإمدادات المتوفرة في الميناء، وهذا ما يفسر كيف يمكن أن تتكدس البواخر في البحر الاحمر، بينما يعاني السوق من إرتفاع الأسعار أو حتى من ندرة في بعض الفترات.
أما ما أشارت إليه الوزارة من ارتفاع عالمي في أسعار الجازولين – من 78 إلى 116 دولاراً للبرميل – فهو عامل مهم، لكنه ليس التفسير الكامل، فالتجارب الدولية توضح أن تأثير الأسعار العالمية يُمكن إمتصاصه أو تخفيفه عبر سياسات مالية ونقدية متماسكة، لكن في الحالة السودانية يتضاعف الأثر بسبب هشاشة سعر الصرف، وغياب آلية مستقرة لتوفير النقد الأجنبي.
الأمر لا يتوقف عند ذلك بل يمتد إلى بنية السوق نفسها، فضعف الرقابة الفعلية، وتعدد الوسطاء، وغياب الشفافية في هوامش الأرباح، كلها عوامل تجعل من الصعب التحقق من مدى إلتزام المستوردين بدعوة الوزارة لتقليل الهوامش، بل إن هذه الدعوة، في حد ذاتها، تعكس محدودية أدوات الدولة في ظل سياسة التحرير، حيث تتحول من “منظم للسوق” إلى “ناشدٍ للأطراف”.
كما أن بطء عمليات التفريغ في الميناء يضيف تكلفة إضافية، وهنا تتحول الوفرة إلى عبء، لأن التأخير في تفريغ هذا العدد الكبير من البواخر يعني ببساطة زيادة التكلفة بدلاً من خفضها.
وعليه فإن الأزمة الحالية ليست أزمة إمداد بقدر ما هي أزمة إدارة وتنسيق وسياسات كلية، فوجود عشرات البواخر لا يعني بالضرورة استقرار السوق، إذا كانت بقية الحلقات في سلسلة الإمداد والتسعير تعاني من إختلالات عميقة.
عليه الحكومة إتباع الآتي:
*أولاً:* العمل على ربط تسعير الوقود بآلية شفافة ومعلنة، توضح مكونات السعر (سعر عالمي + سعر صرف + تكاليف تشغيل + هامش ربح)، بما يعزز الثقة ويحد من التلاعب.
*ثانياً:* تسريع إجراءات التفريغ في الموانئ عبر تحسين البنية التحتية وتقليل الزمن اللوجستي، لتفادي الغرامات التي ترفع التكلفة النهائية.
*ثالثاً:* التدخل الذكي في سوق الصرف لتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، لأن استقرار الدولار هو المدخل الحقيقي لاستقرار أسعار الوقود.
*رابعاً:* تعزيز المنافسة بين المستوردين، ومنع الاحتكار أو التواطؤ، عبر سياسات تنظيمية واضحة وفعالة.
*خامساً:* توجيه دعم مباشر للفئات الضعيفة بدلاً من دعم الأسعار، لضمان العدالة دون تشويه السوق.
سادساً، الإستثمار في بدائل محلية للطاقة، وتقليل الإعتماد على الإستيراد على المدى المتوسط.
في الختام يمكن القول إن تكدس البواخر في البحر لا يعني بالضرورة وفرة في السوق، كما أن تحرير الأسعار لا يعني غياب الدور الحكومي، فبين وفرة الإمداد وفوضى التسعير، تضيع مصلحة المواطن، ويبقى التحدي الحقيقي هو بناء منظومة متكاملة تُدار بالكفاءة والشفافية، لا بالإكتفاء بوفرة ظاهرية تخفي وراءها أختلالاً عميقاً.
*فتكم بعافية…نواصل.*

