أعمدة الرأي

إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون

 

 

*المرأة الريفية…عمود الإقتصاد السوداني الصامت.*

 

لم يعد مقبولاً ترديد المثل القائل :(المرأة لو بقت فأس ما بتكسر الرأس) و الذي ينتقص من قدر المرأة، فقد أثبتت في الإقتصاد الريفي أنها قوة منتجة ومحركة للتنمية، تدير المشاريع، وتحافظ على الموارد، وتبني إستقرار الأسرة والمجتمع بثقة وعزيمة متجددة نحو مستقبل أفضل مشرفة ومُلهمة لكل الأجيال القادمة، وفي قلب الريف السوداني، بعيداً عن ضجيج المدن وتعقيدات الإقتصاد الرسمي، تقف المرأة الريفية كفاعل إقتصادي حقيقي، لا تقل أهميته عن المؤسسات والأسواق، فمنذ فجر التاريخ لعبت المرأة دوراً محورياً في الإنتاج الزراعي، والرعوي، والصناعات التقليدية الصغيرة، مما جعلها ركيزة أساسية في بناء و إستدامة الإقتصاد السوداني، وإن ظل هذا الدور في كثير من الأحيان غير مرئي أو غير مُقدّر بالشكل الكافي.

تاريخياً، ارتبط الإقتصاد السوداني بالنشاط الزراعي بشقيه (الزراعي – الحيواني)، خاصة في مناطق مثل الجزيرة وكردفان ودارفور. وفي هذه البيئات، لم تكن المرأة مجرد عنصر مساعد بل كانت شريكاً كاملاً في دورة الإنتاج، فهي تشارك في إعداد الأرض، والبذر، والحصاد، وتخزين المحاصيل، فضلًا عن إدارة الموارد المنزلية بحنكة واقتدار، ومع تطور الأنماط الإقتصادية توسع دورها ليشمل الصناعات التحويلية البسيطة، مثل إنتاج الألبان، وتجفيف الخضر، وصناعة الزيوت التقليدية، وصناعة العصائر، مما ساهم في خلق قيمة مضافة داخل الإقتصاد المحلي.

ولم يقتصر دور المرأة الريفية على الإنتاج فحسب بل امتد إلى النشاط التجاري غير الرسمي، حيث تدير الأسواق المحلية الصغيرة(ام دورور)، وتشارك في عمليات البيع والشراء، مما يعزز من حركة النقد داخل المجتمعات الريفية. هذا النشاط رغم بساطته، يمثل شرياناً حيوياً للإقتصاد القاعدي، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية وغياب التمويل المؤسسي.

إقتصادياً يمكن النظر إلى المرأة الريفية بإعتبارها نموذجاً حياً لما يُعرف بـ”الاقتصاد غير الرسمي”، الذي يشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي في السودان، فهي تعمل خارج الأطر التنظيمية، دون حماية قانونية أو تأمين إجتماعي، ومع ذلك تواصل الإنتاج بكفاءة وفاعلية ومرونة عالية.

هذه المفارقة تكشف عن خلل هيكلي في السياسات الإقتصادية، التي لم تنجح حتى الآن في دمج هذا القطاع الحيوي ضمن المنظومة الرسمية.

وفي ظل الأزمات المتلاحقة، خاصة في فترات النزاعات وعدم الإستقرار، برزت المرأة الريفية كخط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي. فعندما تتعطل سلاسل الإمداد، وتنهار الأسواق، تبقى المرأة في الحقل، تزرع وتحصد وتطعم الأسرة والمجتمع، هذا الدور الإنساني والإقتصادي يعكس قدرة إستثنائية على التكيف والصمود، ويؤكد أن الإستثمار في المرأة الريفية ليس خياراً، بل ضرورة إستراتيجية.

ورغم هذا الدور الكبير، تواجه المرأة الريفية تحديات جسيمة، أبرزها ضعف الوصول إلى التمويل، وغياب التدريب والتأهيل، وندرة الخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى القيود الإجتماعية (العادات والتقاليد) التي تحد من مشاركتها الكاملة، كما أن غياب البيانات الدقيقة حول مساهمتها الإقتصادية يجعل من الصعب تصميم سياسات فعالة تستجيب لإحتياجاتها.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة الرؤية الإقتصادية للدولة تجاه المرأة الريفية، من خلال تبني سياسات شاملة تعزز من تمكينها إقتصادياً. ويشمل ذلك التمكين، توفير التمويل الصغير و الأصغر والقرض الحسن بدون (هامش ربح)، وتطوير البنية التحتية الريفية، وتقديم برامج تدريبية في مجالات الإنتاج والتسويق، إلى جانب إدماجها في سلاسل القيمة الزراعية بشكل أكثر عدالة وفعالية.

إن النهوض بالإقتصاد السوداني في هذه المرحلة الحرجة لا يتأتي ولا يمكن أن يتحقق دون الإعتراف بالدور الحيوي للمرأة الريفية، والعمل على تحويل هذا الدور من نشاط هامشي إلى قوة إنتاجية منظمة ومؤثرة، فهي ليست فقط منتجة، بل حارسة للموارد، وناقلة للمعرفة، وصانعة للإستقرار الإجتماعي.

 

ختاماً ان المرأة الريفية ليست مجرد قصة كفاح، بل هي فرصة إقتصادية واعدة تنتظر من يكتشفها و يدعمها وإذا ما أُتيحت لها الأدوات والفرص فإنها قادرة على إحداث تحول حقيقي في بنية الإقتصاد السوداني، فتمكينها اليوم هو إستثمار في الغد، وبوابة نحو إقتصاد أكثر عدالة وإستدامة.

 

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى