Uncategorized

إقتصاد الناس :د.عبدالله عجلون يكتب الفساد … حين يغيب القانون بين سلوك الفرد وثقافة المؤسسة.

.

يعتبر الفساد ظاهرة قديمة متجددة في المجتمعات، هو إساءة إستخدام السلطة أو المنصب العام أو الخاص لتحقيق منفعة شخصية على حساب المصلحة العامة أو القواعد القانونية الأخلاقية السائدة في نظام.
وقديما قيل: من أمن العقاب ساء الأدب.
نجد في وطننا الحبيب السودان كل مرة تنفجر فيه قضية فساد تُساق أسماء وتُرفع شعارات وتُطلق وعود صارمة بتطبيق القانون، لكن سرعان ما يخفت الضجيج وتبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: لماذا يتكرر الفساد؟ ولماذا لا يشكّل الخوف من العقوبة رادعاً كافياً؟ هنا يتقدّم عاملٌ حاسم إلى الواجهة: عدم تطبيق القانون لا غيابه.
قد يكون الفساد في ظاهره سلوكاً فردياً؛ كموظفٌ استغل منصبه أو مسؤولٌ خالف اللوائح، غير أن تكرار الظاهرة في مؤسسات متعددة يكشف أن المسألة أعمق من مجرد انحراف شخصي، فحين لا يُطبَّق القانون بعدالة وحزم تتحول المخالفة من مخاطرة إلى فرصة ويصبح الفساد خياراً عقلانياً في حسابات الربح والخسارة.
القانون في أي دولة ليس نصوصاً جامدة بل منظومة ردع وحماية. فإذا بقيت النصوص حبراً على ورق أو طُبّقت بانتقائية فإنها تفقد هيبتها وعندما يدرك الموظف أن العقوبة قد تُطال الضعيف وتتجاوز القوى هنا تتشكل ثقافة تنظيمية تقوم على الإفلات من المساءلة. عندها لا يعود الفساد حادثة فردية بل يتحول إلى نمط سلوك تتسامح معه المؤسسة ضمنياً.
عدم تطبيق القانون يخلق ما يمكن تسميته “إقتصاد الظل المؤسسي”، حيث تُدار المصالح بعيداً عن القواعد الرسمية، في هذا المناخ ترتفع تكلفة الخدمة العامة، وتُشوَّه المنافسة، وتُمنح العقود على أساس الولاء لا الكفاءة.
المستثمر الجاد ينسحب، والكفاءات تُحبط، والمواطن يدفع الثمن في صورة تردي خدمات وارتفاع أسعار،
والأخطر أن غياب العدالة في تطبيق القانون يُضعف الثقة العامة، فالثقة ليست شعوراً أخلاقياً فقط بل أصلٌ إقتصادي غير منظور حين يثق المواطن في أن القانون يُطبق على الجميع، يلتزم طوعاً بدفع الضرائب واحترام اللوائح. أما حين يرى أن المخالف ينجو بفعل النفوذ أو الحماية، فإن الالتزام يتحول إلى سذاجة في نظر البعض.
لا يعني ذلك إعفاء الأفراد من المسؤولية؛ فالقرار الأخلاقي يظل خياراً شخصيا، لكن البيئة التي لا تُفعِّل أدوات الرقابة والمساءلة تُغري بالانحراف وتُطبعّه. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة الإعتبار لسيادة القانون: إستقلال الأجهزة الرقابية، شفافية الإجراءات، نشر نتائج التحقيقات، وضمان عدم التدخل السياسي في مسار العدالة.
إن أخطر ما في الفساد ليس المبلغ المختلس بل الرسالة الضمنية التي يبعثها: “يمكنك أن تخالف دون أن تُحاسب” هذه الرسالة إن ترسخت تقوّض أسس الدولة الحديثة، وتحول القانون من مرجعية ملزمة إلى خيار إنتقائي.
فهل مشكلتنا حقاً في نقص القوانين، أم في غياب الإرادة لتطبيقها على الجميع بلا استثناء؟ وهل يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم يُستعد للقانون هيبته، وللمساءلة معناها الحقيقي؟
فتكم بعااافية… نواصل@
3/3/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى