أعمدة الرأي

إقتصاد الناس  د.عبدالله عجلون يكتب….

 

 

هل آن أوان تصحيح بوصلة الدعم؟

 

 

في ظل الكوارث الطبيعية و الأزمات الإقتصادية المتلاحقة لم يعد ملف الدعم الحكومي مجرد بند مالي في الموازنة، بل أصبح قضية مصيرية تمس عدالة التوزيع وكفاءة إدارة الموارد، وبين تضخم متسارع وتراجع القدرة الشرائية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل آن الأوان لإصلاح منظومة الدعم وإعادة توجيهها؟

منظومة الدعم في كثير من الدول النامية، ومنها السودان نشأت كآلية لحماية الفئات الضعيفة من تقلبات الأسعار خاصة في السلع الإستراتيجية كالوقود والخبز والكهرباء.

غير أن هذه المنظومة مع مرور الزمن، تحولت من أداة للعدالة الإجتماعية إلى عبء إقتصادي ثقيل بل وفي أحيان كثيرة إلى قناة لهدر الموارد وسوء التوزيع،

المفارقة الأساسية تكمن في أن الدعم الشامل لا يميز بين غني وفقير، فالشريحة الأكثر إستهلاكاً – وغالباً الأكثر قدرة – هي التي تستفيد بالنصيب الأكبر، وهنا تتجلى إشكالية العدالة: كيف يمكن تبرير إنفاق مليارات الجنيهات لدعم سلع يستهلكها الجميع، بينما لا تصل الفائدة الحقيقية إلى مستحقيها؟

اقتصادياً يؤدي الدعم غير الموجه إلى تشوهات خطيرة في السوق، فهو يشجع على الإستهلاك المفرط ويضعف الحوافز الإنتاجية، ويفتح الباب أمام التهريب والفساد، كما يضغط على المالية العامة للدولة، مما يدفع الحكومات إلى تمويل العجز عبر طباعة النقود، وهو ما يغذي التضخم ويعيد إنتاج الأزمة بشكل أكثر حدة.

في المقابل لا يعني إصلاح الدعم رفعه بشكل فجائي أو قاسٍ، لأن ذلك قد يؤدي إلى صدمات إجتماعية خطيرة، بل المطلوب هو إعادة تصميمه بشكل ذكي، عبر التحول من دعم السلع إلى دعم الأفراد، أي توجيه الموارد مباشرة إلى الفئات المستحقة من خلال تحويلات نقدية أو برامج حماية إجتماعية دقيقة، مدعومة بقاعدة بيانات موثوقة.

التجارب الدولية تشير إلى أن نجاح هذا التحول يعتمد على الشفافية والتدرج، مع توفير بدائل حقيقية مثل تحسين الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، النقل) وتعزيز فرص العمل. فالدعم في جوهره ليس غاية بل وسيلة لتمكين الإنسان من العيش بكرامة.

في السياق السوداني يكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة في ظل الحرب والإنكماش الإقتصادي، حيث تتآكل الموارد وتتزايد الضغوط على الموازنة العامة.

وهنا يصبح إستمرار الدعم بالشكل التقليدي نوعاً من الهروب إلى الأمام، بدلاً من مواجهة الإختلالات الهيكلية بشجاعة.

في الختام إذا كانت الموارد محدودة والإحتياجات متزايدة، وإذا كان الدعم بصيغته الحالية لا يحقق العدالة ولا الكفاءة، فإلى متى نستمر في تمويل منظومة تثقل كاهل الإقتصاد دون أن تنصف المواطن؟ وهل نملك الإرادة السياسية والجرأة الإقتصادية للانتقال من دعم يضيع في الطريق إلى دعم يصل إلى مستحقيه؟

 

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى