إقتصاد الناس

:د.عبدالله عجلون يكتب
*إقتصاد الذهب وتحديات الإستدامة البيئية في شمال السودان.*
في الوقت الذي يُنظر فيه إلى معدن الذهب كرافعة إقتصادية قادرة على إنعاش خزينة الدولة في الأزمة الحالية، تكشف الوقائع في ولاية نهر النيل عن وجهٍ آخر أكثر قتامة؛ حيث تتحول عمليات التعدين التقليدي إلى كارثة بيئية وصحية تهدد الإنسان والأرض معًا، ما بين شمال عطبرة وجنوب بربر، لم يعد الحديث عن تنمية أو موارد، بل عن بقاءٍ في مواجهة سموم الزئبق والسيانيد.
تشير نتائج الفحوصات المخبرية إلى مستويات مرتفعة من التلوث في المياه والتربة، نتيجة الإستخدام غير المنضبط لمادتي الزئبق والسيانيد في إستخلاص الذهب، هذه المواد التي تُستخدم لزيادة الإنتاج وتقليل التكلفة، تحولت إلى سلاحٍ بطيء الفتك، يتسلل إلى أجساد المواطنين بصمت، والأخطر أن نحو 20% من مياه الشرب في المنطقة باتت غير آمنة، وهو رقم صادم يعكس حجم الإهمال وضعف الرقابة.
الأثر الصحي لهذا التلوث لا يمكن التقليل من شأنه، فظهور الزئبق والسيانيد في عينات من دم وبول الأطفال يمثل جرس إنذار حقيقي، خاصة أن هذه المواد تؤثر على الجهاز العصبي وتسبب أضراراً طويلة الأمد قد لا تظهر فوراً، كما أن تسجيل حالات حساسية جلدية وإجهاضات متكررة خلال فترة وجيزة يكشف عن علاقة مباشرة بين التلوث وتدهور الصحة العامة، و هنا لا نتحدث عن أرقام مجردة بل عن حياة بشر تُستنزف يومياً.
*اقتصادياً* تبدو المفارقة أكثر حدة، فبينما يُروج للتعدين الأهلي كأحد أعمدة الإقتصاد، تُظهر هذه الكارثة أن العوائد المالية لا تقارن بحجم الخسائر البيئية والصحية، فتلوث التربة يعني تراجع الإنتاج الزراعي، ونفوق الماشية يعني خسارة مصادر دخل أساسية للأسر، أما تكلفة العلاج والتدهور الصحي فهي عبء إضافي على إقتصاد هش أصلاً. بمعنى آخر ما يتم تحقيقه من أرباح آنية يُقابله إستنزاف طويل الأمد للموارد.
ان الأرقام المتعلقة بمخلفات التعدين تثير القلق البالغ؛ إذ تضم المنطقة أكثر من 700 كوم من “الكرتة”، تحتوي على مئات الآلاف من الأطنان من التراب الملوث، بما في ذلك كميات كبيرة من الزئبق، هذه المخلفات لم تُعالج أو تُدار بشكل علمي، بل تُركت في العراء داخل المزارع والمناطق السكنية، ما يجعلها مصدراً دائماً للتلوث، ومع إقتراب موسم الخريف، تتضاعف المخاطر، إذ يمكن للسيول أن تنقل هذه السموم إلى مناطق أوسع، ما يهدد بانتشار الكارثة جغرافياً.
ان المشكلة هنا ليست فنية فقط بل هي في جوهرها أزمة حوكمة، فضعف الرقابة، وتأخر القرارات، وغياب البدائل الآمنة للتعدين، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الوضع. حتى القرارات التي صدرت بوقف بعض الأنشطة جاءت متأخرة ولم تُصاحبها خطة واضحة لمعالجة التراكمات السابقة. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل تُدار الموارد الطبيعية في السودان بعقلية إستدامة أم بمنطق الاستهلاك السريع؟
إن إستمرار هذا النهج يهدد بتحويل مناطق بأكملها إلى بيئات طاردة للحياة، فالتربة الملوثة تحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادتها، إن كان ذلك ممكناً أصلًا، والمياه الملوثة قد تتسبب في أزمات صحية ممتدة عبر أجيال، كما أن فقدان الثقة في سلامة المنتجات الزراعية قد يؤثر على الأسواق المحلية ويقوض أي فرص للتصدير.
في نهاية المطاف، لا تبدو هذه الأزمة مجرد خلل في إدارة مورد إقتصادي، بل مأساة مكتملة الأركان تتسلل بصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية هنا، حيث يُفترض أن يكون الذهب مصدر أمل، صار سببًَاً في مرض الأطفال، وخراب الأرض، وموت الكائنات الحية، المشهد في ولاية نهر النيل يختزل وجعاً عميقًا: مياه تُشرب ولا تُؤمَن، وتربة تُزرع ولا تُثمر، وأجساد تُقاوم سموماً لا تُرى.
وإذا استمر هذا النزيف دون تدخل حاسم، فإن الثمن لن يُقاس بالأرقام أو الخسائر الآقتصادية، بل بأرواح تُطفأ ببطء، ومستقبلٍ يُدفن تحت أكوام “الكرتة” الملوثة، في واحدة من أكثر الصور قسوة لإنهيار العلاقة بين الإنسان وموارده.
فتكم بعااافية… نواصل@




