أعمدة الرأي

إقتصاد الناس

ا

بقلم:د.عبدالله عجلون

بين شحّ الأسمدة وأزمة الهيليوم: هل يقترب العالم من كساد جديد؟

في تحذير لافت يرى الإقتصادي الأمريكي مايكل هادسون أن العالم يقف على حافة ركود قد يكون الأعمق منذ الكساد الكبير، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار النفط بل نتيجة خلل هيكلي يضرب سلاسل الإمداد العالمية في مقتل. هذه القراءة المرتبطة بتصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، تطرح سؤالاً أكبر من مجرد أزمة طاقة: هل نحن أمام إنهيار إقتصادي متعدد الأبعاد؟
الطرح الذي يقدمه هادسون يتجاوز التحليلات التقليدية إذ يسلط الضوء على عنصرين غالباً ما يتم تجاهلهما: الأسمدة والهيليوم. فمع تعطل تدفقات الأسمدة عبر مضيق هرمز يواجه العالم خطر تراجع الإنتاج الزراعي في توقيت حرج، ما قد يؤدي إلى موجة تضخم غذائي عالمية، وفي المقابل فإن نقص الهيليوم—وهو عنصر أساسي في صناعات متقدمة مثل الرقائق الإلكترونية والتقنيات الطبية—ينذر بتباطؤ صناعي قد يمتد أثره إلى الإقتصاد الرقمي ذاته.
الأخطر في هذا السيناريو هو ما وصفه هادسون بـ”الضرر الهيكلي”، أي أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقرارات سياسية آنية يمكن عكسها بل أصبحت متجذرة في بنية الإقتصاد العالمي. فحتى لو هدأت التوترات، فإن إعادة بناء سلاسل الإمداد ستتطلب وقتاً وتكلفة مرتفعة، ما يعني أن الركود—إن حدث—لن يكون عابراً، بل ممتداً ومعقداً.
لكن ماذا يعني ذلك للسودان؟
بالنسبة لإقتصاد هش يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الزراعية والمدخلات الإنتاجية، فإن أي اضطراب في سوق الأسمدة سيترجم مباشرة إلى إنخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار، ومع دخول الموسم الزراعي دون إمدادات كافية، قد تتراجع إنتاجية المحاصيل الأساسية مما يهدد الأمن الغذائي في بلد يعاني أصلاً من ضغوط إقتصادية ومعيشية.
في المقابل قد تفتح الأزمة نافذة محدودة للفرص، فارتفاع أسعار الغذاء عالمياً يمكن أن يعزز من قيمة المنتجات الزراعية السودانية إذا ما تم استغلال الموارد بفعالية. كما أن السودان بموارده الطبيعية الواسعة، يمتلك إمكانية التحول إلى مصدر إقليمي للغذاء، بشرط توفر سياسات داعمة وإستقرار نسبي.
غير أن هذه الفرص تظل مشروطة بإصلاحات داخلية عميقة، فبدون بنية تحتية قوية ونظام تمويلي مرن، وسياسات زراعية واضحة سيظل السودان متلقياً للأزمات بدل أن يكون مستفيداً منها، كما أن استمرار التحديات السياسية والأمنية يضعف القدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، ويزيد من هشاشة الإقتصاد.
في النهاية قد لا يكون السيناريو الذي يطرحه هادسون حتمياً لكنه يكشف عن حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي ان الإقتصاد العالمي أصبح أكثر ترابطاً و أكثر هشاشة في الوقت ذاته. وأي خلل في نقطة إستراتيجية قد يتحول إلى أزمة عالمية، وبين عالم يتجه نحو إضطراب إقتصادي محتمل، وسودان يبحث عن موطئ قدم في خريطة الفرص، يبرز السؤال الذي يفرض تفسه، هل نملك القدرة على تحويل الأزمات العالمية إلى فرص محلية، أم سنظل ندفع كلفة إختلالات لم نصنعها؟

فتكم بعااافية… نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى