إقتصاد الناس

عبدالله عجلون يكتب
*الإضراب بين الحق المشروع وحدود المسؤولية: قراءة قانونية في واقع الخدمة المدنية وقانون العمل في السودان*
في ظل الأزمات السياسية و الإقتصادية والإجتماعية التي يعيشها السودان، يبرز الإضراب كأحد أبرز أدوات التعبير السلمي عن مطالب العاملين، سواء في القطاع العام أو الخاص. وبين من يراه حقاً أصيلاً تكفله اللوائح والقوانين والمواثيق، ومن يعتبره تهديداً لإستقرار المرافق العامة، وتتجلى الحاجة إلى قراءة قانونية موضوعية تحدد ملامح هذا الحق وحدوده وفق التشريعات السودانية.
من حيث المبدأ، يُعد الإضراب أحد الوسائل المشروعة التي يلجأ إليها العمال للدفاع عن حقوقهم الإقتصادية والمهنية، خاصة في حال فشل وسائل التفاوض والحوار. وقد اعترفت العديد من الإتفاقيات الدولية، وعلى رأسها إتفاقيات منظمة العمل الدولية، بهذا الحق ضمن إطار حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، والسودان عضواً في هذه المنظمة، و يتأثر بشكل مباشر بهذه المبادئ، وإن كانت عملية المواءمة مع القوانين الوطنية تخضع لإعتبارات داخلية.
بالرجوع إلى قانون العمل السوداني نجد أنه لا ينص صراحةً على حظر الإضراب، بل يضع له ضوابط إجرائية، أهمها إستنفاد وسائل التسوية الودية، مثل التفاوض والتحكيم، قبل اللجوء إليه.
كما يشترط أن يتم الإضراب عبر تنظيم نقابي معترف به، وأن يكون الهدف منه مشروعاً، كتحسين الأجور أو ظروف بيئة العمل، وليس لتحقيق أهداف سياسية بحتة ويُفهم من ذلك أن القانون يعترف ضمنياً بحق الإضراب، لكنه يقيده بإجراءات تمنع الفوضى وتحفظ إستقرار بيئة العمل.
أما في إطار قانون الخدمة المدنية فإن الوضع يبدو أكثر تعقيداً فالموظف العام يخضع لإعتبارات إضافية تتعلق بالمصلحة العامة وإستمرارية المرافق الحيوية. لذلك تميل التشريعات إلى تقييد حق الإضراب في هذا القطاع، خاصة في الوظائف ذات الطبيعة الحيوية مثل الصحة والتعليم والأمن، وفي بعض الحالات قد يُعتبر الإضراب مخالفة تأديبية تستوجب المساءلة، إذا أدى إلى تعطيل مصالح المواطنين أو الإخلال بسير العمل العام.
غير أن هذا التقييد لا يعني إنكار الحق بالكامل بل يعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين حق العامل في الإحتجاج وحق المجتمع في الحصول على الخدمات الأساسية. وهنا تبرز أهمية وجود آليات فعالة للتظلم والحوار داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا يُدفع الموظف العام إلى خيار الإضراب كملاذ أخير.
من زاوية أخرى تثير الممارسة الواقعية للإضرابات في السودان عدة إشكالات أبرزها غياب التنظيم النقابي المستقل في بعض القطاعات، وتسييس بعض التحركات العمالية، إضافة إلى ضعف آليات فض النزاعات.
هذه العوامل قد تؤدي إلى تحويل الإضراب من أداة قانونية مشروعة إلى وسيلة ضغط غير منظمة، مما يفتح الباب أمام الفوضى أو الإستغلال السياسي.
كما أن غياب الوعي القانوني لدى بعض العاملين قد يؤدي إلى ممارسة الإضراب دون الالتزام بالإجراءات المطلوبة، وهو ما يعرضهم للمساءلة القانونية أو الفصل من الخدمة. لذلك تبرز الحاجة إلى نشر الثقافة القانونية وسط العمال، وتفعيل دور النقابات في توجيه الحراك المطلبي ضمن الأطر المشروعة.
في المقابل، لا يمكن إغفال مسؤولية الدولة وأصحاب العمل في تفادي الوصول إلى مرحلة الإضراب وذلك عبر تحسين بيئة العمل، وضمان العدالة في الأجور، والإستجابة للمطالب المشروعة، فالإضراب في جوهره ليس هدفاً بحد ذاته، بل نتيجة لإنسداد قنوات التفاوض والحوار.
خلاصة القول إن الإضراب في السودان يمثل حقاً قانونياً ضمنياً تحكمه ضوابط قانون العمل وتقييدات الخدمة المدنية في إطار السعي لتحقيق التوازن بين حقوق العاملين ومصالح المجتمع، غير أن فاعلية هذا الحق تظل رهينة بمدى احترام القانون ووجود مؤسسات قوية للحوار و التفاوض، وإرادة حقيقية للإصلاح الشامل، فهل يستطيع السودان بناء منظومة متوازنة تضمن حق الإحتجاج دون الإضرار بالمصلحة العامة؟ هذا هو التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة.
فتكم بعااافية… نواصل@




