أعمدة الرأي

اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

الزواج في بلاد الأزمات

منذ فطرة الإنسان الأولى كان الزواج باباً للسكن والمودة والطمأنينة والرحمة، ووسيلةً لبناء الأسرة واستمرار الحياة، إذ لم يكن في جوهره استعراضاً للثروة ولا ميداناً للتفاخر الاجتماعي والمالي، بل علاقة إنسانية تقوم على القبول والرحمة التكافل، ولهذا ظل الناس عبر التاريخ يحتفون بالزواج باعتباره بداية حياة، لا بداية أزمة مالية، لكن الواقع اليوم يكشف تحولات مقلقة جعلت كثيراً من الشباب يقفون أمام أبواب الزواج وهم مثقلون بالخوف من التكاليف أكثر من خوفهم من مسؤولية الحياة نفسها، لقد دخلت المجتمعات العربية والسودانية تحديداً في سباق اجتماعي مرهق حول تفاصيل الزواج؛ من المهور المرتفعة، والولائم الباذخة، والهدايا المتكاثرة، والطقوس الدخيلة التي تتوسع عاماً بعد آخر حتى تحولت المناسبة من مشروع استقرار إلى مشروع استنزاف اقتصادي، فأصبح الشاب يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل أو الاستدانة ليؤسس بيتاً بسيطاً، بينما تُقاس مكانة الأسر أحياناً بحجم الصرف لا بحجم القيم والأخلاق.
*اقتصادياً:* فإن تعقيد الزواج ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع كله، فحين تتعطل زيجات الشباب بسبب العجز المالي، تتأخر دورة الاستقرار الأسري، وتتراجع معدلات الإنتاج النفسي والاجتماعي، وتزداد الضغوط الاقتصادية على الأسر الممتدة، كما أن كثيراً من الزيجات تبدأ مثقلة بالديون، فيتحول البيت الجديد إلى ساحة توتر دائم بدلاً من أن يكون موطناً للسكينة، والأخطر من ذلك أن بعض العادات الاجتماعية لم تعد تُناقش باعتبارها “عادات”، بل أصبحت أشبه بالقوانين غير المكتوبة التي يخشى الناس مخالفتها، فالهدايا، والشيلة، والولائم، والاحتفالات المتعددة، كلها تحولت عند البعض إلى معايير للكرامة الاجتماعية، رغم أن الدين نفسه دعا إلى التخفيف والتيسير. قال النبي ﷺ: “أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة”، وهي قاعدة لو أُخذ بها لخففت أعباء كثيرة عن الشباب والأسر.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السودان اليوم بسبب الحرب الخامس عشر من أبريل 2023م، يصبح من الضروري إعادة النظر في ثقافة الزواج نفسها، لا من باب إلغاء الفرح أو محاربة العادات الجميلة، بل من باب ترشيدها وإعادتها إلى حجمها الطبيعي، فالمجتمع الذي يبالغ في تكاليف الزواج يفتح أبواباً أخرى للفقر والتأخير والعزوف، بينما المجتمع الذي ييسر الزواج يحمي نفسه أخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً.
كما أن التيسير لا يعني إلغاء الكرامة أو التقليل من قيمة المرأة، بل يعني بناء العلاقة على التفاهم والاحترام لا على المظاهر والديون، فالمرأة التي تُرهق زوجها بالشروط منذ البداية قد تجد نفسها لاحقاً أمام بيت هش اقتصادياً ونفسياً، والرجل الذي يدخل الحياة الزوجية محملاً بالديون يفقد كثيراً من قدرته على الاستقرار الأسري والإنتاج، و إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفقر وحده، بل ثقافة الاستهلاك الاجتماعي التي تجعل الناس ينفقون فوق طاقتهم خوفاً من كلام الآخرين، وهذه الثقافة تحتاج إلى مراجعة شجاعة من الأسر، وأولياء الأمور، والعلماء، ورجال الدين، والإعلام، وقادة المجتمع، حتى يعود الزواج إلى معناه الحقيقي: شراكة حياة لا صفقة تجارية.
وفي الختام فإن الأمم لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على حماية الفطرة الإنسانية من التعقيد والتشويه، والزواج حين يُبنى على البساطة والرحمة يدوم، أما حين يُبنى على المظاهر والضغوط الاجتماعية و الاقتصادية، فإنه يبدأ متعباً قبل أن تبدأ الحياة نفسها.

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى