أخبار محلية

اليوم الدولي للشباب* من الشعار إلى الميدان… *نداءٌ للعمل التطبيقي من أجل سودانٍ أكثر استدامة*

*12 أغسطس 2026

د. نبيل عطا فرح

في الثاني عشر من أغسطس من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم الدولي للشباب، وهي مناسبة دولية تؤكد أهمية الشباب باعتبارهم قوة فاعلة في المجتمع، وشركاء حقيقيين في التنمية وصناعة المستقبل.
لكن الاحتفال بهذا اليوم لا ينبغي أن يبقى في حدود الشعارات والخطب والفعاليات الرمزية فالشباب لا يحتاجون فقط إلى من يتحدث عن قدراتهم، وإنما يحتاجون إلى مساحات حقيقية للعمل، والمبادرة، والابتكار، والمشاركة في حل المشكلات التي تواجه مجتمعاتهم.
وفي السودان، حيث تتقاطع التحديات البيئية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية، يصبح الاستثمار في طاقات الشباب ضرورة وطنية، وليس مجرد خيار تنموي.
فالسودان يواجه تحديات متزايدة تتمثل في تدهور الأراضي، والتصحر، وفقدان الغطاء النباتي، والضغوط على الموارد المائية، وتراجع بعض النظم البيئية والتنوع الحيوي، إلى جانب الآثار المتزايدة للتغير المناخي.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من الشعار إلى الميدان.
الشعارات لا تزرع الأشجار
يمكن أن نعقد عشرات المؤتمرات حول التصحر، وأن نصدر عشرات التوصيات بشأن حماية البيئة، وأن نتحدث طويلاً عن التغير المناخي والتنمية المستدامة.
لكن الحقيقة البسيطة هي أن:
الشعارات لا تزرع شجرة، والتمنيات لا توقف زحف الصحراء، والتوصيات وحدها لا تعيد تأهيل أرض متدهورة.
الذي يصنع الفرق هو العمل.
شجرة تُزرع وتُروى وتحظى بالرعاية … أرض متدهورة تُستعاد. .. مورد مائي يُحمى.
غابة تُصان. .. مخلفات تُعاد تدويرها. .. طاقة نظيفة تُستخدم. .. بيانات بيئية تُجمع وتُحلل.
ومبادرة شبابية تتحول إلى مشروع مستدام.
هنا فقط ينتقل الحديث عن الاستدامة من الورق إلى الواقع.
الشباب السوداني… طاقة تنتظر التوجيه
يمتلك الشباب السوداني طاقات علمية وفكرية وإبداعية كبيرة، وفي مقدورهم أن يكونوا قوة أساسية في مواجهة التحديات البيئية والتنموية.
فالعمل البيئي لم يعد مقتصراً على المختصين وحدهم بل أصبح مجالاً واسعاً يمكن أن يشارك فيه:
الباحث، والمهندس، والمزارع، والمعلم، والطالب، ورائد الأعمال، والمبرمج، والإعلامي، والمتطوع، وأفراد المجتمع المحلي.
كل واحد منهم يستطيع أن يقدم شيئاً.
والتحدي الحقيقي ليس في غياب الأفكار، وإنما في تحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والقياس والاستمرار.
من شاب متلقٍ إلى شاب صانع للحل
نحن بحاجة إلى تغيير النظرة إلى الشباب.
الشباب ليسوا فقط مستفيدين من برامج التنمية، وليسوا مجرد فئة تحتاج إلى التدريب والتوظيف بل هم أيضاً منتجون للمعرفة، ومبتكرون للحلول، ورواد للمشروعات، وشركاء في حماية الموارد الطبيعية.
فالشاب الذي يتعلم تقنيات الاستشعار عن بعد يمكنه المساهمة في رصد تغير الغطاء النباتي.
والشاب الذي يتعلم تحليل البيانات يمكنه دراسة التغيرات البيئية وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للتدهور.
والشاب الذي يمتلك مهارات الزراعة الحديثة يستطيع المساهمة في تطوير نظم إنتاج أكثر كفاءة في استخدام المياه.
والشاب الذي يمتلك المعرفة الرقمية يمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في خدمة البيئة.
أما الشباب في المجتمعات المحلية، فيمكنهم قيادة حملات التشجير وحماية الموارد الطبيعية وتنظيف المجاري المائية والتوعية البيئية.
هذه هي القوة الحقيقية للشباب: أن يتحولوا من متلقين للحلول إلى صانعين لها.
من شجرة إلى غابة… ومن مبادرة إلى مشروع
قد تبدأ الاستدامة بشجرة واحدة … لكن الشجرة وحدها ليست الهدف.
الهدف هو بناء منظومة متكاملة تبدأ من اختيار النوع النباتي المناسب للبيئة، ثم توفير المياه، ثم حماية الشتلة، ثم متابعة نموها، ثم قياس نسبة بقائها، ثم توسيع التجربة.
لذلك ينبغي أن ننتقل من مفهوم زرع الأشجار إلى مفهوم: استعادة النظم البيئية .
وهذا يتطلب معرفة علمية ومشاركة مجتمعية وتخطيطاً طويل المدى.
فليس النجاح أن نزرع آلاف الشتلات في يوم احتفالي، ثم نتركها تموت.
النجاح الحقيقي هو أن نزرع شجرة، ثم نحافظ عليها حتى تصبح جزءاً من النظام البيئي.
ماذا يمكن أن يفعل الشباب على أرض الواقع؟
يمكن للشباب إطلاق مشروعات ومبادرات عملية في مجالات متعددة، منها:
1 . مكافحة التصحر
إطلاق مبادرات محلية لاستعادة الغطاء النباتي، وتثبيت التربة، وحماية المناطق المتدهورة.
2. التشجير واستعادة الغابات
اختيار الأنواع المحلية المناسبة، وزراعة الأشجار، ووضع برامج للرعاية والمتابعة.
3. حماية المياه
رفع الوعي بالاستخدام الرشيد للمياه، وحماية مصادرها، وتشجيع تقنيات حصاد مياه الأمطار.

4 . الزراعة الذكية مناخياً
نشر الممارسات الزراعية التي تساعد على تقليل استهلاك المياه وتحسين خصوبة التربة والتكيف مع تغير المناخ.
5 . حماية التنوع الحيوي
المشاركة في رصد الحياة البرية، وحماية الموائل الطبيعية، ومكافحة الممارسات التي تهدد الأنواع والنظم البيئية.
6 . الاقتصاد الدائري
تحويل المخلفات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي من خلال إعادة الاستخدام وإعادة التدوير.
7 . الطاقة النظيفة
تشجيع استخدام الطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف الوصول إلى الكهرباء.
8 . التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
توظيف التقنيات الحديثة في جمع البيانات البيئية، ورصد الغطاء النباتي، ومراقبة الموارد، وتحليل المخاطر المناخية.
9 . التوعية البيئية
الوصول إلى المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية، وتحويل الوعي البيئي إلى سلوك يومي.
نحتاج إلى مشروعات أثر لا مبادرات مؤقتة
من المهم أن نتوقف عند نقطة جوهرية:
ليس كل نشاط بيئي مشروعاً مستداماً.
قد ننظم حملة تنظيف وتنتهي في يوم واحد.
وقد نزرع الأشجار ثم نغادر الموقع.
وقد نعقد ندوة ونلتقط الصور ثم ينتهي كل شيء.
لكن التنمية المستدامة تعني أن نسأل:
ماذا حدث بعد ذلك؟
كم شجرة بقيت؟
كم هكتاراً تمت استعادته؟
كم كمية من المياه تم توفيرها؟
كم شاباً حصل على فرصة عمل؟
كم طنّاً من المخلفات تم تدويره؟
كم مساحة من الموائل الطبيعية تمت حمايتها؟
وما الأثر الذي بقي في المجتمع؟
هذه هي لغة العمل الحقيقي: النتائج والأثر والاستمرارية.
الجامعات والشباب… مختبرات للحلول
يمكن للجامعات السودانية أن تلعب دوراً محورياً في تحويل المعرفة العلمية إلى حلول ميدانية.
فبدلاً من أن تبقى البحوث العلمية حبيسة المكتبات، يمكن تحويلها إلى مشروعات تطبيقية تخدم المجتمعات.
يمكن للطلاب والباحثين الشباب تنفيذ دراسات حول:
• تدهور الأراضي.
• الغطاء النباتي.
• الموارد المائية.
• التنوع الحيوي.
• التغير المناخي.
• الغابات والمراعي.
• التصحر.
• الزراعة المستدامة.
• جودة المياه.
• إدارة المخلفات.
• الطاقة المتجددة.
ثم تتحول نتائج هذه الدراسات إلى خرائط وبيانات ومشروعات وسياسات وحلول عملية.
وهنا تصبح الجامعة جزءاً من المجتمع، ويصبح البحث العلمي أداة للتنمية.
رسالة إلى شباب السودان
إن الوطن لا ينتظر منكم أن تكونوا كاملين، ولكنه ينتظر منكم أن تبدأوا.
لا تنتظروا مشروعاً ضخماً حتى تتحركوا.
ابدؤوا من المكان الذي أنتم فيه.
من الجامعة. .. من القرية. .. الحي. .. المدرسة … المزرعة. .. الغابة … النهر… من المبادرة الصغيرة.
فالمشروعات الكبيرة بدأت دائماً بفكرة صغيرة، ولكن الفرق بين الفكرة التي تغير الواقع والفكرة التي تبقى في الذهن هو العمل.
فلنجعل 12 أغسطس نقطة انطلاق
في هذا اليوم، لا نريد أن نكتفي بالاحتفال بالشباب.
نريد أن نمنح الشباب الثقة والمساحة والأدوات ليكونوا جزءاً من الحل.
نريد أن نرى مبادرات شبابية تتحول إلى مشروعات. .. ومشروعات تتحول إلى مؤسسات.
ومؤسسات تسهم في بناء اقتصاد أخضر.
ونريد أن نرى المعرفة العلمية تتحول إلى تطبيق… والتكنولوجيا تتحول إلى أداة لحماية البيئة.
والعمل التطوعي يتحول إلى أثر مستدام… من الشعار إلى الميدان
إن السودان يحتاج اليوم إلى جيل يؤمن بأن حماية البيئة ليست ترفاً، وأن الاستدامة ليست شعاراً، وأن العمل المناخي ليس مسؤولية الحكومات وحدها.
إنها مسؤولية مشتركة.
لكن الشباب يستطيعون أن يكونوا القوة المحركة لهذا التحول.
لذلك فإن رسالتنا في اليوم الدولي للشباب 2026 هي:
من الشعار إلى الميدان. .. من المؤتمر إلى المشروع. .. من التمني إلى العمل.
من التشخيص إلى الحل. .. ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.
فالأرض لا تنتظر الكلمات. .. والشجرة لا تنمو بالشعارات.
والنظام البيئي لا يستعيد عافيته بالتمنيات. .. إنه العمل وحده الذي يصنع الأثر.
كلمة أخيرة
إلى شباب السودان في هذا اليوم
ازرعوا، احموا، ابتكروا، تعلموا، تطوعوا، وابنوا.
حوّلوا العلم إلى عمل، والفكرة إلى مشروع، والمبادرة إلى أثر.
فربما تكون الشجرة التي يزرعها شاب اليوم هي الظل الذي يجلس تحته طفل بعد سنوات.
وربما تكون المبادرة الصغيرة التي تبدأ في قرية هي النواة لمشروع وطني كبير.
وربما تكون فكرة شاب في جامعة سودانية هي الحل الذي يحتاجه مجتمع كامل.
لا تنتظروا أن يصنع الآخرون المستقبل نيابةً عنكم.
اصنعوا المستقبل بأيديكم.
12 أغسطس 2026 | اليوم الدولي للشباب
من الشعار إلى الميدان… نداءٌ للعمل التطبيقي من أجل سودانٍ أخضر ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى