الأخبار

توسيع الإيرادات العامة في السودان: من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد الإنتاج والتنمية

متابعات: كوشى نيوز
تواجه المالية العامة في السودان تحديًا تاريخيًا يتمثل في التوفيق بين تراجع الإيرادات العامة واتساع الاحتياجات التمويلية للدولة في ظل ظروف الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وبينما تلجأ العديد من الحكومات في مثل هذه الظروف إلى زيادة الضرائب والرسوم والجبايات، فإن هذا النهج غالبًا ما يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي وتقليص الاستثمار ورفع تكاليف الإنتاج، مما يحد من قدرة الاقتصاد على النمو ويؤثر سلبًا على الإيرادات نفسها على المدى المتوسط والطويل.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن قوة المالية العامة لا تُقاس بحجم الضرائب المفروضة، وإنما بحجم الاقتصاد المنتج القادر على خلق الثروة والدخل والقيمة المضافة. فالإيرادات الحكومية في جوهرها انعكاس مباشر لحجم النشاط الاقتصادي، وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج والاستثمار والتجارة اتسعت معها تلقائيًا قاعدة الإيرادات العامة.
لذلك فإن الأزمة الحقيقية للإيرادات في السودان لا تكمن في ضعف معدلات التحصيل فحسب، وإنما في ضيق القاعدة الإنتاجية، وتراجع معدلات النمو، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وضعف الاستثمارات المحلية والأجنبية، وغياب التكامل بين السياسات الاقتصادية المختلفة.
إعادة بناء القاعدة الإنتاجية الوطنية
إن نقطة الانطلاق الحقيقية لأي إصلاح مالي مستدام تبدأ من إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية الرئيسية، وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية والخدمات الإنتاجية.
فالاقتصاد لا ينتج إيرادات قبل أن ينتج ثروة، ولا تستطيع الدولة تحصيل موارد من نشاط اقتصادي متراجع أو متوقف. ولذلك فإن زيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة الاقتصادية تمثل المصدر الأكثر استدامة لتوسيع الإيرادات العامة.
وكل زيادة في الناتج المحلي الإجمالي تنعكس بصورة مباشرة على معدلات التشغيل والدخول والصادرات والأرباح، ومن ثم ترتفع الحصيلة الضريبية والجمركية ورسوم الخدمات دون الحاجة إلى فرض أعباء جديدة على المواطنين أو المنتجين.
دمج الاقتصاد غير المنظم في الاقتصاد الرسمي
يمثل الاقتصاد غير المنظم أحد أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه المالية العامة في السودان، حيث تعمل أعداد كبيرة من المنشآت والأنشطة الاقتصادية خارج المظلة الرسمية للدولة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقوم على الإجراءات العقابية فقط، بل على بناء حوافز اقتصادية وتشريعية تشجع هذه الأنشطة على الاندماج الطوعي في الاقتصاد الرسمي من خلال تبسيط الإجراءات وخفض تكاليف التسجيل والترخيص وتسهيل الوصول إلى التمويل والخدمات الحكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى