حد القول بقلم :حسن السر

“هدنة على مقاس المليشيات: حينما تُستغل الإنسانية لإطالة الحرب”
الوضع الإنساني في الفاشر ومعسكرات النازحين يروي قصة مأساة لا يمكن تجاهلها. المدينة عاشت حصاراً طويلاً فرضته قوات الدعم السريع، حيث مُنع الغذاء والدواء، حتى وصل الحال بالناس إلى أكل أوراق الشجر للبقاء على قيد الحياة. أكثر من 187 ألف شخص فروا من الفاشر إلى مدينة طويلة، لينضموا إلى ما يقارب 650 ألف نازح يعيشون في ظروف قاسية بلا غذاء كافٍ أو مياه نظيفة. الأمم المتحدة وصفت ما حدث بأنه استخدام للتجويع كسلاح حرب، فيما وثقت تقارير حقوقية إعدامات ميدانية وتهجيراً قسرياً على أساس عرقي.
ورغم هذه الحقائق، لم تتحرك القوى الدولية بالجدية المطلوبة حينما كان الإنسان السوداني يواجه الموت جوعاً وحصاراً. واليوم، حينما تطرح الولايات المتحدة وغيرها فكرة الهدنة تحت شعار “المساعدات الإنسانية”، يبدو الأمر وكأنه محاولة لإعادة إنعاش مليشيات فقدت شرعيتها أمام الشعب السوداني. فالهدنة لا تعني بالضرورة وصول الغذاء والدواء إلى المدنيين، بل تمنح المليشيات فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة قوتها.
من أراد أن يقف مع الإنسانية حقاً، عليه أن يصل إلى معسكرات النازحين في المناطق الآمنة التي تحميها القوات المسلحة السودانية، وأن يدعم المنظمات الدولية والأممية والوطنية العاملة هناك. أما فرض هدنة تخدم طرفاً واحداً، فهو ليس سوى وسيلة لإطالة أمد الحرب. لقد جرّب السودانيون كأس الهدنة في الحرب الأولى، وكانت نتيجتها المزيد من الدماء والدمار، لذلك فإن رفض الهدنة اليوم ليس تعنتاً، بل موقفاً مبنياً على تجربة مريرة.
شهادات النازحين من الفاشر ومعسكر زمزم تكشف أن المساعدات الحقيقية تصل فقط عبر المناطق الآمنة التي تحميها القوات المسلحة السودانية. هناك، تعمل منظمات وطنية ودولية على توفير الغذاء والدواء، لكن إمكانياتها محدودة، وتحتاج إلى دعم أكبر من المجتمع الدولي. ومع ذلك، يصرّ الخطاب الغربي على فرض هدنة تخدم طرفاً واحداً، بينما يتجاهل معاناة مئات الآلاف من المدنيين.
ويبقى السؤال الذي لا بد أن يُطرح: لماذا لا يتم إيقاف دولة الإمارات عند حدها ومحاسبتها على دورها الواضح في تغذية الحرب؟ ولماذا يغضّ المجتمع الدولي الطرف عن هذه الأدوار بينما يركز فقط على فرض هدنة تخدم مليشيات إرهابية؟
آخر القول
إن الدعوة إلى هدنة اليوم ليست سوى غطاء سياسي لإعادة إنعاش مليشيات فقدت شرعيتها أمام الشعب السوداني. المساعدات الإنسانية الحقيقية يجب أن تصل إلى النازحين في المناطق الآمنة، لا أن تُستخدم ذريعة لإطالة الحرب. المطلوب ليس هدنة تخدم طرفاً مسلحاً، بل محاسبة الدول التي تغذي الحرب، وعلى رأسها الإمارات، ودعم الشعب السوداني في معركته من أجل البقاء والحرية.
كسرة
أرسلت روحي، يا صحاب، تعزّي
والقلبُ من وجعِ النزوحِ يفرّي
(على لسان حال نازح).

