أعمدة الرأي

حد القول


حسن السر … يكتب
من الحرب إلى النهضة: دروس من التجربة الرواندية لبناء مستقبل السودان

في ظل الظروف المعقدة التي مر بها السودان من حروب وصراعات داخلية، يصبح النظر إلى تجارب الدول الأخرى التي واجهت أوضاعًا مشابهة أمرًا بالغ الأهمية. ومن أبرز هذه التجارب تجربة رواندا، التي عانت في تسعينيات القرن الماضي من حرب أهلية وإبادة جماعية أودت بحياة مئات الآلاف، وأدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتدمير البنية التحتية. ومع ذلك، استطاعت رواندا أن تتحول خلال عقدين إلى نموذج للتنمية والنهضة في إفريقيا.
لم يكن التحول الرواندي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إرادة سياسية قوية ركزت على المصالحة الوطنية، محاربة الفساد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والكفاءة. كما وضعت الحكومة خطة استراتيجية طويلة الأمد عُرفت بـ “رؤية 2020″، هدفت إلى إعادة بناء الاقتصاد، تطوير التعليم والصحة، وتحقيق التنمية المستدامة. هذه الرؤية جعلت رواندا تنتقل من بلد منكوب إلى دولة تحقق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وتُعرف اليوم بأنها واحدة من أكثر الدول استقرارًا في القارة.
اهتمت رواندا ببناء وجدان إنسانها وتعزيز الانتماء للوطن بعيدًا عن القبيلة والعرق. شجعت على الاهتمام بصحة البيئة وغرس الأشجار والنباتات في الحدائق العامة، وطورت المشافي بمختلف أنواعها: العلاجية الطبية والنفسية، إذ خلفت الحرب صورًا من الصدمات النفسية الخطيرة والإصابات المقعدة. كانت الحرب إبادة جماعية بين قبيلتين، فأصلحت الدولة بينهما وصهرتهما في قبيلة واحدة وشعب واحد هو الشعب الرواندي.
في رواندا لا يتكبر المسؤول عن ركوب الدراجة أو المشاركة في حملات النظافة وغرس الأشجار، لذلك أصبحت البلاد قبلة سياحية حتى للأوروبيين، والسياحة مورد حي ومتجدد يساهم في دعم خزينة الدولة. كما أن الاهتمام بالتعليم ومحو الأمية أحدث استقرارًا ورفع مستوى الوعي العام، وأسهم في انخفاض معدلات الجريمة. كذلك تم تفعيل المورد البشري للنهضة عبر التدريب ومكافحة البطالة وخلق فرص عمل للشباب الذين فجّروا خيرات بلدهم.
وبالنظر إلى السودان، يمكن استخلاص العديد من الدروس من هذه التجربة. أولها أن تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة هو الأساس لأي نهضة، وأن الحكم الرشيد ومحاربة الفساد يمثلان حجر الزاوية في بناء الثقة بين المواطن والدولة. كما أن وضع رؤية استراتيجية طويلة الأمد، والاستثمار في التعليم وبناء القدرات البشرية، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على الموارد التقليدية، كلها خطوات ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة.
آخر القول
إن السودان يمتلك فرصًا هائلة للنهوض إذا استفاد من التجارب الدولية الناجحة مثل التجربة الرواندية. فالمفتاح يكمن في الإرادة السياسية، المصالحة الوطنية، الحكم الرشيد، ووضع رؤية استراتيجية واضحة. بهذه الأسس يمكن للسودان أن يتحول من بلد مثقل بالصراعات إلى نموذج للتنمية في إفريقيا، تمامًا كما فعلت رواندا.
كسرة
“بجد أحب زرعي.. وبكد أنمي درعي
وأخدم البلاد.. وأنفع العباد
فخدمة الأوطان.. فرض على الإنسان”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى